في "كراكيب
الكلام" تحاول سوزان عليوان
إعادة ترتيب غرفة الروح، وإعادة إنتاج"
الكراكيب"
بما تيسر لها من الشعر والمطر عبر إنتاج المزيد من الأسئلة الشائكة التي
وإن بدت لأول وهلة أسئلة وجودية يتشاركها البشر في
راهنهم المشوش، إلا أنها في
حقيقتها، وكما يتضح لاحقا، خاصة جدا بالشاعرة التي تقدم على
تجربتها الشعرية
التاسعة مسلحة بقين شعري مستحيل، وظنون إنسانية تجهد ذاتها في سبيل التحقق وبأدوات
فنية ناجحة جدا.
تفتتح الشاعرة اللبنانية سوزان عليوان كتابها الشعري التاسع،
والذي صدر مؤخرا في
طبعة خاصة ومحدودة، بعلامات استفهام سرعان ما تتحول إلى
انكسارات حقيقية مبللة
بالدمع والمطر، تقول:
من كسر مصباح القمر؟
أيُّ مطرٍ هذا الذي
يُطْفِئُ النجوم بحذائِهِ؟
أينَ نافذتي أيَّتُها الجدران؟
مَنْ أبْكَى الصفصافةَ على ضفة روحي؟
وأنتِ يا يدي
من أين جئت بكل هذه الجُرأة؟.
..........
ووحدها الشاعرة، الذكية، تعرف من أين جاءت يدها بهذه الجرأة،
والتي تبدو وكأنها
تعيد الثقة لتلك اليد العاجزة في مجموعاتها الشعرية الثماني السابقة. فعلى عكس رأي
كثيرين ممن رأوا بالمجموعة الشعرية الجديدة امتداداً
نسقياً طبيعياً لما سبقها، أرى
أن سوزان في «كراكيب الكلام» تنقلب على شعريتها العفوية، وتضيف
إليها الكثير من
التفاصيل المعمارية مما يجعل تلك القصيدة الطويلة الوحيدة في تلك المجموعة وكأنها
تركيب سيمفوني متكامل، حتى أن الأسئلة النزقة فيه لا
تبدو وكأنها تبحث عن إجابات
بقدر ما تتكامل فيها هذه الإجابات المنتظرة، دون أن تخل بمعنى
الأسئلة أو تلغي
شرعيتها مثلا.
سوزان عليوان هنا، كائن لا يشبه الحب، كما يقترح عنوان أحد
مجموعاتها الشعرية
السابقة، ولكنه الحب نفسه، ينهمر، كما المطر، ليسيل بين شقوق الشعر، ويغير معالم
المدينة، التي بدت على مدى القصيدة كلها في مشهد مطري
كئيب، ولكنه متكامل جدا، ربما
لأنه تخلى عن حلمه القديم، المتجذر طويلا، بهدم تلك المدينة
الخرافية وإعادة بنائها
من جديد وفقا لهندسة الشعر وألوان الشاعر ومفرداته الوليدة.
ولأن الشاعرة لا تثق كثيرا بفكرة أن تكون بؤرة الحدث، وصانعته
أيضا، على الصعيد
الشخصي والعام، تنهي قصيدتها بما يشبه التقرير الحدسي، تقول:
الرسائلُ لم تَصِل
والمطرُ يمحو ملامحَنا.
لكنها، على أية حال، لا تنسى أبدا أنها قادرة على ترتيب
«كراكيب» الروح بمزيج من
الشعر الذي تكتبه، والمطر الذي تستدرجه لحفلات أفراحها ومآتم
أحزانها على حد سواء،
وهي حتى عندما تنهي قصيدتها باستدعاء الكلمة الأكثر قدرة على
اكتساب معاني
الظنون..هكذا:
"الوداع"
يا لِوَقْعِها
حين تُذْرَفُ هكذا
فاصلةً بينَ فراغينِ
في سياقِ المطر.
فإنها تلفت النظر، لضرورة إعادة النظر بكل ما قالته في مجمل
القصيدة، الجديدة في
تجربتها الشعرية والإنسانية ككل، فعلى الأقل، هناك فاصلة ما بين فراغين في سيق
المطر...