الروح والمطر وسوزان

أحمد سرحان - موقع "براح" 2007/1/21

 

بداية لا أخفى دهشتى وحيرتى منذ القراءة الأولى لكراكيب الكلام حين أدركت أننى دخلت عالما محفوفا بالمخاطر والجمال فى نفس الوقت وبقدر ما وضعنى ذلك الإحساس فى ورطة بقدر ما كانت المغامرة أجمل ،فالتفاعل مع النص أى نص –أمر محتمل ،ولكن الأصعب هو الانفعال بالنص ، والذى يشمل انفعال الفكر والوجدان ،ولقد وجدتني فى مرحلة تعدت الانفعال الى درجة الانسجام التام فكان النص بالنسبة لى روحا تتحاور مع روح، وفكرا يخاطب فكرا.

 

لاشك أننا أمام نص بالغ الاتساع فى دلالاته ، وتجربة ثرية متعددة الرؤى تشكل عالما ذا بنية كلية تعتمد فى تأسيسها على تضافر عدة بنى صغرى متجاورة ومتوازية ومتشابكة لايجوز فصلها عن السياق العام لأن فصلها يعنى تفتيت وتقطيع نسيج البنية الكبرى ، فكراكيب الكلام نص متكامل لا يجوز معه التشريح ، بل النظر إليه جملة وربط كل تفاصيله التى هى بالأساس عالم الشاعرة الخاص ،وأشياؤها الحميمة ،جزء من روحها وكيانها.

 

ومن ثم تصبح الكتابة عن النص –بهذا الطرح – نصا موازيا وكتابة أخرى أى لحظة إبداع بالتوازى مع التجربة وعلى نفس المستوى من الثراء والجودة .

 

ولا أخفى أيضا أن ذلك كان مكمن الخطر والورطة ، بالإضافة الى خلو الساحة حديثا تقريبا من الأطر والأدوات النقدية التى تساهم فى مقاربة النص ، وذلك ناتج فى رأيى عن ضرورة قيام كل قارئ بخلق قانونه الخاص من النص نفسه وليس من خارجه وتلك إحدى ميزات نص كراكيب الكلام فهو نص لا يخضع لمنطق (التابو) البلاغى التقليدى ولكنه نص له قانونه الخاص شأنه شأن كل الكتابات الحقيقية فى جيلنا وما بعدها.

 

ولعل من قرأ الكراكيب للمرة الأولى كمن نظر الى الشمس فجأة فلم ير شيئا سوى الانبهار ويكتشف حاجته إلى معاودة القراءة مرات ومرات لعله يفوز برؤية حقيقية وكاملة ، وذلك ما دفعنى الى الاختيار والاختبار- ذلك ما رأيته مناسبا للاشتباك مع نص كهذا.. بالغ الاتساع والثراء ،- اختيار ما من شأنه إضاءة النص وفتح ولو بعض مغالقه ، واختبار ذلك أيضا .

 

بميزان الرؤية من أجل "الاكتشاف" وليس التفسير ؛ اكتشاف التفاصيل الميكروفيلمية، العشوائية ، الكامنة فى الكراكيب /الحاملة لها، بحيث تعطى فى النهاية رؤية كلية للمشهد الشعري  ، وإذا كنت سأتناول أطروحة بعينها من باب الاختيار فذلك لاعتقاد شخصي بتغلغلها فى النص وباعتبار أنها إحدى مفاتيح روح الشاعرة اللانهائية .

 

وهذه الأطروحة هى جدل الحوار الحميم بين الروح والمطر فى محاولة لاكتشاف العلاقة بين الذات والعالم ، فالذات والمطر مركزين أساسيين فى النص بدءا من الغلاف إلى النهاية ، والمطر هنا ليس مفردة لغوية أو إطارا جماليا لكنه عالم وحالة خاصة حميمة وجارفة تشارك بثقل فى إنتاج الدلالة، وسوف نرى كيف يصير" المطر/  الحالة" فاعلا ومؤثرا فى كل تفاصيل عالم النص ، ومحورا تدور حوله الذات وتنطلق من خلاله بكل براءتها وثورتها وتناقضاتها ؛

 

المطر الوجه الآخر للذات ، بل هو الذات الند ، فهو متداخل فى نسيج الحكاية منذ الأزل ، حاملا معه العشق .. الألم .. الوهم .. القلق .. الموت ، ..الحياة.. ،  تفاصيل الكراكيب.

 

وإذا كان الغلاف بكل تفاصيله لغة  تشكيلية تُجسد  الارتباط الحميم بالنص، فانه فى الوقت ذاته يتماس مع الحالة والسياق العام باعتباره تجسيدا بصريا خطّه نَفْس القلم الذى خَطً الكراكيب ،وله مدلوله وبنيته المتداخلة مع النص  ، فى براءة وعفوية ، وهذا ما يجعلنى أعتبر الغلاف لوحة شعرية بصرية لشارع المطر أكثر منه لوحة تشكيلية .

 

شارع المطر الذى يحمل علاقة حوار زمانية ومكانية مع الروح ، يحمل التفاصيل والتجاعيد الشهية ، كأنه زفير وشهيق الحياة لا شىء سواه .

 

لا شىء سوى المطر

 

على زجاج النافذة (وجهى الآخر )

 

لا شيء سوى المطر

 

على الشارع البائس مثل حب تدوسه الأقدام

 

...............

 

مطر على الباص الأحمر

 

...............

 

العابرين مع العمر

 

السحب

 

...............

 

لا شىء سوى المطر

 

تقف الروح فى المواجهة خلف النافذة فلا شىء سوى المطر حيث يعبر كل شىء فى مشهد جنائزي تنسحب معه الروح بكل غربتها وقلقها تجاه شارعها الحميم، الشارع الذى يحمل ذكرياتها و تذكاراتها ،لاشىء سواه كحب تدوسه الأقدام ومن اللحظة الأولى يظهر الترابط الوثيق بينهما ليقف المطر على الجانب الآخر من الروح مرآة بل وجها آخر ليضع الروح أمام نفسها ، أمام أسئلة وجودها ليس على الطرف النقيض بل باعتباره ندا حميما للروح وباعتباره لحظة وجودية تنحل فيها الذات لترى وتكتشف وتتأمل .

 

وتزداد هذه الحميمية حين تقر الشاعرة أن المطر أصبح جزءا هاما فى وعى الذات بنفسها فى حالة تتعدى البيان إلى التوحد مع المطر والتى تجعله أقرب اليها من دموعها.

 

أحدق فى أمطار تعرفنى

 

أكثر من دموعى

 

ينابيعها البعيدة

 

لعلنى فى انهمارها أبصر حبى القديم

 

والتحديق فى المطر تأمل فى الذات بغية الرؤية وإعادة ترتيب الروح فأى مطر هذا ؟ وأى ينابيع سحرية هذه التى تصل الروح فى سياقها من التأمل إلى البصيرة ،لتصبح لحظة التفجر والتوهج منبعها تلك الينابيع البعيدة ومن هنا يصل ارتباط الروح وتوأمها إلى حالة من الارتباط الوجودى  وهى نقطة جذب تشتهى الشاعرة وتشتهيها الشاعرة، لتضع روحها فى حالة من التأمل، تتسع عندها عين الرؤية لتضع  يدها على الجرح وتفتح نافذة طالما غلقتها الجدران –جدران الصمت والزيف – لتبصر حبها القديم ، وألمها القديم .

 

وتتسع العلاقة فى تطورها الى مرحلة اختزال المعنى / اختزال الحالة فى لحظة مركزية أعتبرها لحظة  إشراق مرتبطة بالسياق العام للنص فى تواز مع ارتباطها الخاص بمكانها.

 

...............

 

يحدث المطر

 

فى الفراغ الذى بين قطرة وأخرى

 

هذا الدوى الهائل.

 

الاختزال هنا حالة من تأجيل اكتمال الدلالة واكتمال المشهد لتضع الروح والحياة كلها-مختزلة زمانها ومكانها أيضا- بين قطرتين ،فى تكثيف رائع ومفاجئ منسجم مع المشهد ليس لكونه نتيجة بل لما يحدثه من دوى هائل فى فكر وروح المتلقى إذ  يظل منجرفا مع كل أسئلة الكراكيب محمولا معها فى سياق المطر إلى أن تأتى لحظة الدوى الهائل/ لحظة التفجر /إشراق المعنى/ فتفعل فعلها فى النفس.

 

لأن الصباح فقد لهفته .

 

لأنني تجاوزت رغبتى

 

وأفرغت الكلام من كراكيبه الكثيرة.

 

 لأننى بلا أصدقاء.

 

...............

 

لأن الحبر ليس دما .

 

لأن صورى لا تشبهنى.

 

لأننى أحببت بصدق لا قيمة له على الإطلاق.

 

لأن هذه المدينة تذكرني بصوت امرأة

 

أعجز عن نسيان انكسارها .

 

لأن الله واحد والموت لا يحصى .

 

ولأننا لم نعد نتبادل الرسائل

 

يحدث المطر

 

فى الفراغ الذى بين قطرة وأخرى

 

هذا الدوى الهائل .

 

كل هذا التجاوز والعبور والفقد، لحظة اكتشاف أيضا، تتوازى فيها الروح مع ما يحدثه المطر بين قطرة وأخرى ،ذلك الفراغ الذى يحمل تفجرا ويشكل بؤرة تكمن فيها تلك الإجابات الخفية لكل أسئلة الروح اللاذعة المتصاعدة ،فالفراغ بين قطرتي مطر فى هذه الحالة ليس منطقيا ،الفراغ حياة كاملة بدويها وصخبها ،كأن قطرتي المطر طرفي الروح ،والدوى صدى لصراخها المكتوم يحدثه المطر،حين تدرك حجم المأساة بعدما منحت وتألمت   لكائنات لا تتألم

 

امتدت اليد بوردة فعادت بخيبتها

 

هذه الروح الطفلة  تحاول وتحلم بعد هذا الكم الهائل من الأسى والحصار، وتسير مع كراكيبها  فى سياق المطر " كأنما الأمطار تسيل بى حين أسير"

 

...............

 

أعلم أن يدى ليست مطرقة

 

لكننى أحيانا أتخيلها

 

تنهال كغضب بلا نهاية

 

مهشمة رأس الفراغ

 

...............

 

ليست مزهرية

 

...............

 

ليست مسدسا

 

...............

 

أعلم أيضا أنها ليست منديلا

 

لكننى بين غيمة وأخرى أحاول

 

أن أكفكف بحنان رطب فى لمستها

 

دموع مدينة مأساتها المطر.

 

ليس أمام الروح فى اصطدامها بنفسها وبمفردات اغترابها سوى المحاولة أو الفعل التصوري (أتخيل –أحاول ) ، فقوتها تكمن فى براءتها ورقتها وهنا أيضا يأخذ الحوار مستوى آخر من جوانبها اللامتناهية ليجسد من خلال هذه الثورة البريئة مأساة أخرى بأبعادها الإنسانية . والمتمثلة فى "تحرير عصفور بلمعان الرصاص " .. تحرير المدينة من دموعها تحقيقا للحرية، ودائما تعود الروح فى لحظات انكسارها وضعفها الى  رصيفها الأزلى وهو المطر بعد أن تصبح "الصرخة أعمق من البئر" وهو حوار داخلى مكتوم يطلق أحد أسئلتها الصعبة المتفجرة  ويضع الجزء الأكبر من  المأساة على عاتق السؤال البريء

 

مادام المطر حياة   

 

فلماذا لا يتحول المطر الى بشر وبيوت وبلاد ؟

 

...............

 

أحلم أحيانا

 

بتحطيم الحوائط الحائمة كأشباح من حولى

 

بإلقاء النافذة جثة من النافذة

 

بالركض بلا معطف أو مظلة فى طرقات عارية

 

بإذلاله هذا المطر وحلا تحت حذائى.

 

لأن المطر أقدر على البقاء ،لأنه المرآة ، يعيد الروح الى الروح لترى فتصاب بالضيق والجنون ،فروح الشاعرة الثائرة الحرة المنطلقة لا تطيق مواجهة مع نفسها ، ولأنه ذاكرة المحبة يقف دائما فى المواجهة بحضوره العظيم  ، يعرى ملامح كل شىء ؛فى الشارع فىالمقهى فى النافذة.

 

أيها الوتر المشدود من جذع قلبى حتى أقاصى الغابات  .

 

أيتها العصافير العطشى يا كلماتى

 

فى الضباب أضعت موطئ ظلى

 

وإذا كان الضباب أيضا  كحالة أحد مفردات الكراكيب لا يمثل عتمة خالصة طالما أن الذات تعى جيدا حجم الأسى والفقد فهو امتداد لحالة المد التصوري الذى تتكئ عليه الروح فى فعلها وتجاوزها فهى تعى أشياءها البسيطة والمعقدة التى تتساقط فى سياق الكراكيب ، العمر ،الحب ،الحلم ،الوطن ،لتعمق الإحساس بالجرح .

 

الشجرة التى تدرك العمق الحقيقى

 

لجرح وجودها .

 

وباعتبار أننا لا نتعامل مع المطر كمفردة بل كحالة وجودية لها تجلياتها المختلفة المرتبطة بالروح ،لا تكمن فاعلية المطر فقط فى كونه مرآة تضع الذات أمام كل تلك الأسئلة وتجلب مع تيارها هذه الكراكيب  ، لكنه يتحول فى لحظات الوعى الى دور المحرك الدافع لوعى وإدراك الذات بنفسها على مستوى  الدلالة .

 

والسؤال جاء مع الكراكيب ماذا بعد جرح الوجود من مأساة؟ تلك الورطة التى أصابت الذات حتى العظام  ؟

 

وتتسع دائرة وعى الذات بنفسها وبالعالم بالنظر الى وضع الفعل "جفل" فى مكانه

 

والنظر الى علاقة "الشجرة –الظل " علاقة يقظة ،وانتباه حزين ، ولهذا الوعى أيضا قوته بعد أن تمر تفاصيل مرادفة لفعل الواقع وثباته أمام الروح فلأنها أشياء المدينة : الغرفة ..  المقهى .. الأشجار ..  العصافير على الأسلاك ..  المهرجون بمساحيقهم .. الملائكة..  المقاعد مشهد الألم المتكرر..  دموع الفقد..  المومسات  ..  المعطف ..  الملصقات المهترئة .. المنازل المهدمة ..  المطر ..  المدرسة..  الشارع الطويل كيوم ماطر .. شجرة اللوز..  سور السرو..  مفاتيح روحى

 

كنت على يقين

 

بأننى أراها لآخر مرة

 

كما تدرك الطيور

 

أن لا سعادة على وجه الأرض.

 

الحقيقة: لا تحط على الأرض الا الأقدام البلهاء ،لكنها مفاتيح الروح وأشياؤها البسيطة العابرة والمتجسدة كالنار تحت الجليد، هى ينابيع القوة التى تمتلكها ، جزء من تكوينها ووعيها ،هذه الكراكيب المختلطة العشوائية هى جذورها الضاربة من جذع القلب الى أقاصي الغابات.

 

وفى سياق الحوار الحميم مع المطر علاقة تبادلية تأخذ شكل المركزو الدائرة .

 

بحيث نرى الروح دوائرا تحوم حول المطر فى حال التهميش ومركزا يمتد ليكون دوائرالتحامه مع نسيج المطر فهما فى حالة من الاشتباك الدائم وفى كلتا الحالتين تكمن شفافية الروح وصدقها.

 

حتما ما كانت أحلامى لتفضى الى هنا.

 

لعلنى غفوت على الطريق قليلا.

 

هنا أيضا تجليا آخر لاكتشاف الذات لحظات قوتها و ضعفها أو بمعنى آخر لحظات اكتشاف 

 

وجودها  المجروح أصلا بوجوده , ولذا فالغفوة ربما أفضت بها الى هنا.

 

ولهذا أيضا يتجلى كشف آخر من خلال رحلة الوعى بالذات يجسد  صدمة وجودية أخرى فيكون الشىء الهامشى ذو أهمية بالغة بالنسبة لروح استثنائية تقيم علاقاتها بقوة البراءة والشفافية

 

كنت فى أعماقى أبكى

 

دون أن يلحظ انكساري أحد

 

سواها

 

كما لو أن بيننا مطر

 

تفتحت كما لو أنها تبتسم.

 

وأطمئن

 

أزهار المخمل

 

فى معطفك

 

الأشياء لاالإنسان ، أزهار المخمل لا الحبيب ، حوار المواساة الحميم تقف أزهار المخمل موقف الراصد انكسار الروح ، ولعل اللجوء الى أنسنة الأشياء عمق آخر لعلاقة الذات بالعالم محفوفا بظلال من الخسارة والفقد والاغتراب وذلك أيضا من خلال همزة الوصل الحاضرة حضور الروح " كما لو أن بيننا مطر " ، ويؤكد السياق هنا من خلال "تفتحت – تبتسم –أطمئن " اليقين بالبقاء – بقاء ثوابت الروح –حتى بعد انكسارها لتكون المحبة بصدق لها قيمة البقاء والتحقق حتى لو بقيت كذاكرة تدفع الروح وتقويها.

 

ومثلما كان المطر حالة مصاحبة تتوحد معها الروح فى حوار أبدى يكون أيضا حالة وصل تربط توازنات الروح فى لحظات التوهج ، ليشارك فى نصوع الحقيقة من خلال تحققه على مستوى الفعل ذلك "المطر الذى يروى وردة الحكاية منذ الأزل"

 

لما لمستَ اسمى ........... لما لمستُ اسمك

 

أخذ يهطل بغزارة........... كان المشهد شبه منته

 

من السقف من الأضواء من يدنا ........... شعرك يتساقط مع المطر

 

المطر الذى يروى وردة الحكاية تمتد بها يد الروح ثم تعود بانكسارها ، أى مطر هذا ؟و"من أبكى الصفصافة على ضفة روحى" ؟ ،الحكاية تمر ضمن سياق الكراكيب ، ضمن هذا الكم الهائل من الأسئلة المصيرية التى لا إجابة لها .

 

نلاحظ أيضا هنا نوع من توازى البنية دلاليا ونفسيا حالىْ القوة والانكسار ويكون المطر حالة متداخلة مشتبكة فى كلتيهما يهطل بغزارة ويروى وردة الحكاية وفى الوقت ذاته ينتهى به المشهد فى سقوط القناع الزائف مع ورق الصفصاف رمزا لنهاية تاريخ وذاكرة .

 

إن تحقق المطر كفاعل ومؤثر يعمق الإحساس بتواجده كحالة تصنع توازنا على مستويات روحية وفكرية ونفسية متعددة.

 

وردة الحكاية...........رماد الحكاية

 

الدودة ........... الرماد

 

هى أطراف التوازن لا أطراف التناقض فالوردة والدودة حياة والوحل والرماد أصل لهذه الحياة وامتداد لها.

 

الوردة ابنة الوحل

 

بين الدودة والرماد  فراشة عابرة.

 

وأعتقد أن هذا التعبير فعلا أجمل مما ينبغى ويكشف عن روح فذة ثاقبة. عقابها عبقريتها وفكرها المشتعل ، تلك فكرة أكبر من الفكرة فى حال من التكثيف والتوهج فى لغة تقريرية لكنها مزدحمة بالدلالة لتختزل الحكاية كلها فى فراشة عابرة قصيرة الأجل/ كثيرة التفاصيل ،تجعل الحوار أكثر تفجرا تصل الروح الى اختصار الحياة ببراءة وقوة واقتدار فتضع الحياة بين قوسين من خلال ذلك السؤال الصعب من أسئلة وجودها، ذلك السؤال الذى لا ينتظر إجابة بل يخلق حالة.

 

ماذا أسمى الفراغ

 

الذى بين شاهد قبرى وشهادة ميلادى ؟

 

ذلك السؤال الذى يلملم أطراف الحكاية من بدايتها الى نهايتها .

 

وهى حالة أخرى من حالات التوازن ،وعمق آخر لتوازنات الروح فى حوارها.

 

مع نفسها ومع العالم ،فالوردة والدودة شهادة ميلاد ، ورماد الحكاية .

 

والوحل شاهدى قبر، وامتداد للميلاد، وتسمية ما بينهما أمر صعب يجعل الاجابة سؤالا آخر . فأى شىء بين الدودة و الوحل ؟

 

و ماذا بين شاهد القبر و شهادة الميلاد ؟       

 

و أى فراشة هذه ؟

 

الفراشة العابرة بعلاقة بين الدودة و الرماد ، في رأيى أن الجمال فى صعوبة الاجابة ، أسئلة الكراكيب سمتها و جمالها فى كونها أسئلة وجوديه مفتوحة لا تريد اجابة بل تخلق حالة.

 

وإذا كان سور الثلاثين فاصلة بين فراغين فى سياق المطر فهو أيضا محطة وجودية لقطار الكراكيب تقف عندها الروح المتأججة بالأسئلة لترى أشيائها الحميمة العابرة تتوالى..  ثلاثون عاما من البراءة ..  العشق ..  الألم..  الفقد فى ارتباط وثيق بالزمان و المكان بكل تفاصيله الحلوة و المرة كأنه ذاكرة الموت .. ذاكرة الحياة معا

 

الأمكنة و المراحل والآخرون

 

حياتى تحت المطر حائط

 

وحدة سور الثلاثين بطينة تكوينه ، بحكايته الكبيرة الكبيرة يقف بقامة العتمة حدا فاصلا ماوراء وما أمام ، حدا فاصلا بين الفقد والخوف ، خوف الروح الطفلة من العبور، فأى أسى تقع الروح فى دوائره تحت وطأة ألم التذكر والقلق المرعب هل من عقاب

 

أقسى من الزمن ؟

 

ليكون حضور الروح محققا باختبائها حين توصد أبواب الثلاثين

 

هناك حيث البئر بيتى

 

والمطر جمال  دونما جدوى

 

تدخل الروح الى الروح بعد الثلاثين وهذا تصور لعقاب الزمن القاسى الأقسى من الأنين فماذا بعد الثلاثين سوى الانطواء فى بئر الروح العميق حيث مساحة الألم غير محدودة.

 

هنا وهناك "حيث البئر بيتى والحبل متكوم كثعبان فى حجرى"

 

لكن التعاسة طالتنى فى عظامى

 

ليكن ذلك أيضا أجمل مما ينبغى حيث لم يبق حديث عن عمق الألم و الجرح بعد ذلك، و يصل وعى الذات بحجم مأساتها وجرحها حد الذروة فيكون حجم التعاسة أيضا مرادفا لحجم الروح واتساعها تلك الشجرة التى تدرك العمق الحقيقى لجرح وجودها الممتلئة بأسئلتها الصعبة حتما تصاب بالتعاسة وهذا ثمن تدفعه من أجل كراكيبها الحميمة الرائعة ، من أجل حضورها ، وتحققها.وتبقى المدينة شاهدا مكانيا ، ووجها تحفر فيه الذات أخاديدها فهى المدينة العشق /الذاكرة /الوطن ، مدينة الحلم

 

يا قلبى العاشق.

 

أيها المعطوب بعشق مدينة كانت

 

عبثا حلمنا ، وحاولنا وأحببناها

 

الرسائل لم تصل

 

والمطر يمحو ملامحنا .

 

أى مطر هذا ؟ الذى يمحو ويرسم ويروى ويلملم حكاياتنا وبجرف معه كل هذه الكراكيب وما تحتها وكل هذا الارتباك إلى ساحة الروح. وأى روح هذه ؟ التى تحمل هذا الكم الهائل من الكراكيب الرائعة مع مفرداتها . وتمتلك البراءة  والوحشة والقوة وتعبر بكل هذه الكثافة والتوهج أسوار العتمة أسوار الثلاثين فى سياق المطر .

 

" الوداع"

 

يا لوقعها

 

حين تذرف هكذا

 

فاصلة بين فراغين

 

فى سياق المطر.