|
تفاجئنا الشاعرة سوزان عليوان دائماً بمجموعة شعرية تخص بها الإنسان، وتجادل فيها
الواقع بالكثير من القصائد النثرية، تلك التي تتوهج فيها الرؤية بالكبر قدراً من
الصدق والاخلاص للكلمة.
وفي مجموعتها الشعرية «كراكيب الكلام» استطاعت سوزان عليوان ان تستنبط رؤى جمالية
للاشياء وهي رؤية حرصت فيها الشاعرة على أن تبدو الحقيقة هي العنصر الأكثر توهجاً
وحضورها، في مواجهة الألم، والغياب، ثم كان لاستحضار عليوان في هذا الديوان لحزمة
من المشاعر الدليل الأكثر ظهوراً على انتماء الشاعرة للإنسان بكل ما طرأ عليه من
متغيرات.
ان عليوان تكتب من خلال توجه إنساني غاية في الصدق، والاحساس بكل ما يحمله الجمال
من معنى، وعلى هذا الأساس جاء الديوان معبراً عن رؤى الشاعرة، ومتفاعلاً مع ما تريد
الافصاح عنه من مظاهر حياتية متعددة الجوانب، والاتجاهات، ومتوازية في سيرها مع
الحقيقة، تلك التي تبدو في قصائدها مدهشة وجذابة.
تقول عليوان ان في مبدأ الكلام:
«من كسر مصباح القمر؟
أي مطر هذا الذي
يطفئ النجوم بحذائه؟
أين نافذتي أيتها الجدران
من أبكى الصفاقة على ضفة روحي؟
وأنت يا يدي
من أين جئت بكل هذه الجرأة؟
لا شيء لا شيء سوى المطر»
وتستلهم الشاعرة من المطر رؤيتها تلك التي تحمل في مضامينها احاسيس عميقة، ومتفاعلة
مع الإنسان، ومن ثم فقد ظهرت الاسئلة في تحد واضح للألم الذي يتعين على الشاعرة ان
تحوله إلى لذة، كي تبرز جوانب الجمال وتنتصر للأمل لتقول:
«مطر
على الباص الأحمد
المظلات المهرولة
كما لو في مسيرة أزهار من البلاستيك
العابرة مع العمر
السحب
فراشات الدخان التي
لا تكاد تطير»
واصبحت مظاهر الحياة «المطر» و«السحب» و«الدخان» و«الفراشات» و«الشجر» و«المصابيح»
وغيرها هي العناصر التي اعتمدت الشاعرة عليها في ابراز منهجها الشعري، الذي ينسحب
بدوره على منهجها الوجداني، في الارتقاء بقيمة الإنسان، والانتصار للجمال اينما
وجد:
«وجه أنكرته المرايا العيون، البلاد
أحدق في امطار تعرفني
أكثر من دموعي
ينابيعها البعيدة
لعلني في انهمارها أبصر حبي القديم
والتقطه
بنظرة على الأقل
قبل أن يرتطم بالاسفلت
صرخة طائر»
هكذا عبرت الشاعرة عن أحاسيسها المتلهبة تلك التي يتبدى فيها الحزن ملاحقاً للفرح،
وهي رؤية استطاعت ان تظهرها بأكبر قدر من التكثيف والايحاء، ومن ثم فقد جاءت هذه
الرؤية لصيقة بالواقع، ومتفاعلة معه تقول في موقف شعري آخر:
«أعلم
أن يدي
ليست مطرقة
لكنني أحياناً اتخيلها
تنهال كغضب بلا نهاية
مهشمة رأس الفراغ
حيث الدمع الحبيس
والصرخة في المرآة»
ان هذه الومضة الشعرية التي اقتطفتها عليوان من الخيال جاءت معبرة عن حالة شعرية،
تحمل في مضامينها رؤى تتعلق بالإحساس المضني بالألم، ومحاولة اختراق الفراغ، لملئه
بأطياف النور والأمل، ثم تسترسل الشاعرة في بث رؤاها لتقول:
«كلما انهمرت من أغصانها ورقة
جفل ظلها كحصان
الشجرة التي
تدرك العمق الحقيقي
لجرح وجودها».
لقد بات واضحاً ان الشاعرة ستظل تحلق في مظاهر الحياة من أجل ابراز رؤيتها، تلك
التي لن تهدأ طالما الاحساس مزدحماً بالألم، والرغبة الصادقة في التصدي للواقع بكل
تحدياته، لتقول:
«كم من قصيدة
أهدرها الخريف هكذا
على أرصفة الخوف والنسيان
مقابل «مصطبة» شاغرة».
ثم تتلون القصيدة بألوان الطبيعة كي ترسم بالكلمات احاسيسها في لوحة تشكيلية معبرة
أو متفانية في الحب، وذلك من خلال مضامين شعرية ساقتها الشاعرة في منولوج داخلي،
واحساس متشعب الجوانب لتقول:
«بعد ما حلمت بالصحو وأقواس قزح
كانت الأمطار غزيرة
وأحضانهم شائكة
الوردة ابنة الوحل
بين الدود والرماد، فراشة عابرة».
وعلى هذا الأساس فقد استطاعت الشاعرة ان تستلهم الخيال من جسد الواقع كي تمثله خير
تمثيل من خلال مدلولات معبرة، وفي الوقت نفسه صادقة كي تقول في موقف شعري آخر.
«بظل معطفي
أكسو الاشجار وأعربها
كأنني فصولها العابرة
تحت المطر سريعاً
كأنها مرآة رغباتي»
ويختلط الذاتي مع العامي في رؤية شعرية أخرى كي تبدو الشاعرة في مقابلتها مع مظاهر
الحياة، سريعة التأثر، والإثارة، ومن ثم فقد توهجت الكلمات بالجاذبية، والاحساس
المرهف بالجمال لتقول:
«الأب الغائب
المرأة المجهولة في طفولتي السوداء أمي
شجرة العائلة العارية كهيكل عظمي
غابة الاصدقاء البعيدة
قصص العشق ذات الأبواب الحزينة دائماً
رسائلنا».
ان الشاعرة تشير إلى أشياء ربما تحضها أو تحض غيرها، ولكنها في النهاية أشياء تهمنا
جميعاً ويتعين علينا البحث عن مدلولاتها، وتكون خاتمة الديوان أو القصيدة الطويلة
التي تضمنها الديوان في متنه معبرة عن مشاعر ملتهبة وجديرة بأن تتشرف معانيها
لتقول:
«الوداع
يا لواقعنا
حين تذرف هكذا
فاصلة بين فراغين
في سياق المطر»
والشاعرة اللبنانية سوزان عليوان في ديوانها «كراكيب الكلام» الذي صدر في طبعة
محدودة استطاعت ان تكون لمنهجها رؤى خاصة، وذلك بفضل قدرتها على الوصف والتخيل،
والابحار في مظاهر الحياة، بكل ما فيها من تطلعات وآمال.
|