بيروت بين سوزان عليوان ومحمد الماغوط.. كراكيب مدينة في ضوء القمر
سعد القرش (رويترز القاهرة) - موقع
"إيلاف" 2006/7/23
في الحروب ينزع لبنان ثوبه المخملي وبعد انتهاء
المعارك ينهض من الرماد ككائن أسطوري قادر على إثارة الدهشة مرتديا ثوبا آخر.
ودائما يكون الشعر أسبق الى استشعار الخطر على بيروت كمدينة للاحلام في نظر الشاعرة
اللبنانية سوزان عليوان أو كيان أشبه بجبال من النهود والاظافر كما يراها الشاعر
السوري الراحل محمد الماغوط. هكذا تبدو لبنان-بيروت في ديوانين أحدهما كتب وصدر في
الآونة الأخيرة بعنوان (كراكيب الكلام) لسوزان عليوان والثاني (حزن في ضوء القمر)
الذي كتب قصائده قبل نحو نصف قرن محمد الماغوط. وأعيد طبع ديوان الماغوط هذا الشهر
في سلسلة (آفاق عربية) عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة.
وصدر ديوان الماغوط اصلا عام 1959 ويضم قصائد منها (جنازة النسر) التي يقول في بعض
سطورها "ضمني بقوة يا لبنان-أحبك أكثر من التبغ والحدائق-أكثر من جندي عاري القدمين
يشعل بين لفافته بين الانقاض. ان ملايين السنين الدموية-تقف ذليلة أمام
الحانات-كجيوش حزينة تجلس القرفصاء." يرى الماغوط الذي توفي في ابريل نيسان الماضي
بلاده "تسير كالريح نحو الوراء" ولعل هذا التأويل يفسر كيف يبدو في شعره مسكونا
بالحزن اذ يقول انه من قديم الزمان وهو يرضع التبغ والعار. وتبدأ قصيدته (حريق
الكلمات) بما يشبه ابراء الذمة حيث يقول.. "سئمتك أيها أيها الجيفة الخالدة. لبنان
يحترق-يثب كفرس جريحة عند مدخل الصحراء... أيها العرب-يا جبالا من الطحين واللذة-يا
حقول الرصاص الاعمى. تريدون قصيدة عن فلسطين-عن الفتح والدماء.."
في القصيدة نفسها وفي مشهد احتجاجي نفذه فيما بعد الشاعر اللبناني خليل حاوي (1919
- 1982) يقول الماغوط "هنا.. في منتصف الجبين-حيث مئات الكلمات تحتضر- أريد رصاصة
الخلاص-يا اخوتي-لقد نسيت حتى ملامحكم-أيتها العيون المثيرة للشهوة-أيها الله..
أربع قارات جريحة بين نهدي-كنت أفكر بأنني سأكتسح العالم-بعيني الزرقاوين ونظراتي
الشاعرة.
"لبنان.. يا امرأة بيضاء تحت المياه-يا جبالا من النهود والاظافر-اصرخ أيها
الابكم-وارفع ذراعك عاليا-حتى ينفجر الابط واتبعني-أنا السفينة الفارغة-والريح
المسقوفة بالاجراس... لا أشعار بعد اليوم-اذا صرعوك يا لبنان-وانتهت ليالي الشعر
والتسكع-سأطلق الرصاص على حنجرتي."
وكان حاوي قد شعر بالعار وهو يرى الاجتياح الاسرائيلي لبلاده ولم يجد أمامه وسيلة
للاعتراض سوى الانتحار فصوب بندقية صيد الى عنقه في الخامس من يونيو حزيران 1982.
وتقع الطبعة الجديدة في 150 صفحة متوسطة القطع وتتضمن مقدمتين احداهما لزوجته
الشاعرة السورية الراحلة سنية صالح التي قالت ان مأساة الماغوط "أنه ولد في غرفة
مسدلة الستائر اسمها الشرق الاوسط... وذروة هذه المأساة هي في اصراره على تغيير هذا
الواقع وحيدا لا يملك من أسلحة التغيير الا الشعر" كما وصف الناقد المصري جابر
عصفور في المقدمة الثانية الماغوط بالشاعر الفريد الذي أصبح "بحق معمدان قصيدة
النثر في تأسيسها الذي فرض نفسه على الدوائر الادبية."
أما ديوان (كراكيب الكلام) لسوزان عليوان الذي صدر قبل نحو شهرين فهو قصيدة واحدة
طويلة تبدو كأنها سيرة للروح.. روح الشاعرة وروح المدينة وأهلها حيث لا تقوى الايدي
المنهكة على اسدال الغروب كما تعجز عن التعجيل بنور الصباح.
في هذه المسافة بين غروب وشروق فرصة لان يعيد الشعر ترتيب العالم الخاص جدا ويتنبأ
بالمطر والحروب.
في الديوان-القصيدة التي تبلغ 45 صفحة متوسطة القطع علاقة ملتبسة بين الشاعرة
ومدينتها اذ تقول "وفقط حين انكسرتُ-أدركت حجم المأساة-لان هذه المدينة تذكرني بصوت
امرأة أعجزُ عن نسيان انكسارها-لان الله واحد والموت لا يحصى."
تحلم الشاعرة بطفولة من نوع مختلف هي طفولة مدينة تخصها وحدها وترحل عنها واثقة أن
كل شيء سيبقى رغم المأساة والتهجير "لن تصحبني في الرحيل سحابة. الغرفة الصفراء بين
جدرانها ستبقى-المقهى في زاويته-الاشجار حيث جذورها-العصافير على الاسلاك-والقمر
الذي من قمر-لن يكون بوسعي أن أضعه رسالة في جيبي. لانها لم تكن يوما أشيائي. لانها
أشياء هذه المدينة." وتقول.. "يا قلبي العاطل عن العالم-أيها المعطوب بعشق مدينة
كانت عبثا حلمنا وحاولنا وأحببناها."
ولدت سوزان عليوان في بيروت عام 1974 من أب لبناني وأم عراقية وبسبب الحرب الاهلية
اللبنانية (1975 - 1990) عاشت بين اسبانيا وباريس ومصر حيث تخرجت في الجامعة
الامريكية بالقاهرة وهي الان تعيش في بيروت "خرافة الوطن". ونشرت الشاعرة التي تعيش
الحياة كقصيدة ثمانية دواوين أخرى بين القاهرة وبيروت منذ عام 1994 في طبعات محدودة
ترسلها الى أصدقاء باتساع العالم وترفض المشاركة في مهرجانات الشعر وتكتفي بموقعها
على الانترنت حيث تكتب وترسم وتحلم أحيانا.
وزارت الشاعرة القاهرة هذا الشهر قبل نشوب الحرب وقالت ان انتماءها الى لبنان يبلغ
نسبة مئة في المئة مفسرة بذلك قسوتها في انتقاد البلد الذي يخصها وتحرص عليه "أكثر
من أي أحد اخر". ما يجمع سوزان والماغوط هو عين الطائر الذي يرسم من بعيد مشهدا ولا
يتورط في علاقات تؤثر على نقاء الشعر. فالشاعرة اختارت موقفا على تخوم الشعر والوطن
والحلم في حين وصف الماغوط نفسه بالانكفاء على الذات.
كما قالت زوجته انه مع الايام لم يخرج من عزلته ولم يتخلص منها "بل غير موقعها من
عزلة الغريب الى عزلة الرافض."