|
انها تمطر في مدينة
سوزان عليوان. تلك المدينة البديلة التي دأبت على بنائها مدى ثماني مجموعات شعرية
انطلقت في 1994 مع "عصفور المقهى" لتعلن عن عالم شعري شديد الفرادة والخصوصية.
عالمٌ من فراشات سحرية وبالونات ملونة وضفائر ذهبية صحيح، لكن فيه خصوصاً اللغة
الكثيفة ببساطتها والعميقة بسذاجتها والعفوية بصناعتها. الا ان براءته الطفلية هذه
التي تستمد الوانها من داخلها تجعل منه عالماً فيه من الصدق والشفافية ما يكفي
لينذر بعطوبيته. يبدو "كراكيب الكلام" الذي يصدر اليوم في طبعة خاصة على غرار كل
دواوينها، كامتداد طبيعي لكل ما سبقه وتحديداً المجموعة الاخيرة، "لنتخيّل المشهد".
ذلك ان دواوينها كلها تكاد تكون قصيدة واحدة لحياة فيها من كل الالوان. هو المطر
هذه المرة، "لا شيء سوى المطر"، يدخل عالمها الشعري في انهمار عنيف ومخرّب ليمحو او
ليُحيي او بالاحرى ليمحو فيُحيي. لكنها حياة مشوّشة هذه التي يدعو لها انهماره.
اذاً، المطر اولاً،
بكل الالتباس الذي تنطوي عليه رمزيته المتأرجحة بين بشير الحياة ونذير الموت. ثم
بتلك الاشكالية المرتبطة بلا جدوى مواجهته لانه حاصل لا محالة كشتاء لا بد منه:
"حين اقتربتَ (...) كنتُ اعي تماماً/ ان المطر/ اقوى مني". المطر هنا هو كل ما -
ومن - يقتحم عالمها بطريقة يستحيل بعدها الا التسليم. لكن هذا التسليم لا يحصل من
دون اسئلة: "ما دام الماء حياة/ فلماذا لا يتحوّل المطر/ الى بشر وبيوت وبلاد؟"،
تسأل الشاعرة بتلك النبرة التي فيها من براءة الاسئلة الاولى، اسئلة الطفولة الاكثر
صدقاً وحقيقية لأنها اسئلة يعجز حتى "الكبار" عن الاجابة عنها.
تحقق عليوان في
مجموعتها هذه ما يمكن ان نسمّيه "الاصطدام بالمدينة". وهو اصطدام يطاول اللغة كما
التيمات المعالَجة. ففي اسلوب يترك شعوراً بأن كثافته النسبية تنبع من داخله ولا
تأتي بفعل مقصّ خارجي لاحق، تستعير عليوان من المدينة مشاهد وصوراً على شكل مفردات
تُسقط عليها حالتها الوجدانية والعاطفية. وهي حالة يشعر بها قارئها المعتاد منذ رسم
الغلاف الذي يفضح تحولاً صوب الواقعية بدأ يطرأ على عالمها الزهري. أتذكرون تلك
الطفلة الملوّنة بضفائرها التي يلوّحها الهواء وعينيها المقبلتين على الحياة؟ انها
نفسها نراها هنا، تدير ظهرها لمدينة "الماء والمعدن، تلك المعادلة المستحيلة" وتشيح
بنظرها عنها، فيما بكاء مكتوم يرشح من عينيها المغمضتين... وقد تخلّت عن ضفائرها.
"الانكسار" و"الانطفاء" اللذان تسجل لهما السطور الاولى، تشي بهما في الرسم حركة
الجسم النحيل المنكمش على نفسه حزناً وخيبة: "حتماً ما كانت احلامي لتفضي الى هنا./
لعلي غفوت على الطريق قليلاً" سوف نقرأ في ما بعد ونفهم. لكن هذه الشاعرة الغريبة
عن مدينتها تبدو كمن تعلن التبرؤ مما تركته هذه المدينة عليها: "لأنها لم تكن يوماً
اشيائي/ لأنها اشياء المدينة" تقول. اما "اشياؤها" فأقواس قزح طفلية دخلت بها
مدينةً لا تتعرّف الى الالوان ولا تعترف بها. فإذا بسطورها تنضح خصوصاً بالحنين الى
طفولة باتت بعيدة، ورغم ان طعم الوانها لا يزال تحت الاضراس فهي تدرك ان العودة
اليها مستحيلة: "شجن الاغنيات القديمة لا يكفي/ ليستعيد في اعماقي المطر ايقاعه
البعيد/ ليعود/ في معطف الماضي/ بخطوات تتراقص على السلالم/ طفلاً خارجاً من بوابة
المدرسة يركض/ الى احضانك يا مدينة".
وهذا الطفل الذي
خرج من بوابة المدرسة راكضاً للارتماء في احضان المدينة، سيكون اصطدامه بها رغم
الالم الناتج منه اصطداماً ضرورياً للوصول الى لحظة اليَناع، لحظة الفطام التي
تمهّد للانفصال. وكمن تتقبل النضج بألم صامت تقول: "كلما انهمَرَت من اغصانها ورقة/
جفل ظلها كحصان./ الشجرة التي/ تدرك/ العمق الحقيقي/ لجرح وجودها". كأنها تدرك أن
الركون الى الطفولة طويلاً مرادف للجمود، وأن الواننا لا بد ان تغمق يوماً، وأن
فستاناً زهرياً لا يكفي ليعيد الى جسد امرأة امان طفولته ويكتم رغباته. هكذا تدخل
الشاعرة المدينة حاملةً حبل سرتها في جيب والاقواس القزح في الجيب الاخر تركن اليها
كذكرى دافئة كلما انعطفت بها السنون: "قبل ان ابلغ الضفة الاخرى بلحظات/ استدرت
بنصف ظلي نحوهم:/ المدرسة البعيدة اعلى المدينة/ شارعها الطويل كيوم ماطر (...) كنت
على يقين بأنني اراها لآخر مرة/ كما تدرك الطيور/ ان لا سعادة على وجه الارض"، تقول
سوزان عليوان كطفلةٍ يؤلمها ان تكبر. |