الأحلام تشظّت يا سوزان (رسائل إلكترونية... ليتنا وصلنا قبل الطائرات المغيرة)

إبراهيم توتونجي - جريدة "الأخبار" 2006/8/15

 

أضعت الحكمة يا سوزان. تلك التي في حلقي، تغرغر، تتهدج، تتسحب، تتفتت... روح مخنوقة. تصرخ. احاول ابتلاعها، كالريق اعيدها الى الداخل. أصم أذنيّ عن صراخها. أسجنها، كالفكرة أحفر لها دهليزاً في الرأس ونفقاً في القلب. لكنها تعود. تطرق الأبواب. تمد أصابعها من بين القضبان. تتشنج الأصابع وتتراخى. الروح تتلاشى يا سوزان، وأنا فقدت الحكمة.
كل هذا الموت في بيروت. كل هذا الدمار. النوارس لم تعد تحط على رصيف المرفأ. الأطفال طارت دُماهم ودماؤهم عن الشرفات واحترقت. وقفوا على الشرفات يناظرون الدولاب البعيد في مدينة الملاهي. ينتظرون نورساً يغادر الرصيف ليحملهم الى هناك. وبدل النورس، جاءت القذيفة. شطرت النورس والدولاب الكبير والصغار. تشظت الاحلام يا سوزان، وتأكدت أكثر أنني فقدت الحكمة.
وتلك المنارة. وذلك المقهى، عند الصخرات التي انتعلت مخملها الأخضر الطحلبي وفلشت الملح على كعبها، وقرص الشمس الذي غفا على طاولتنا، وذلك العصفور... هل تذكرينه؟ الأزرق الذي سرقه البحر، أخفاه اللون، قبل أن نتمكن من حبسه في عدسة الكاميرا... وكنت يا سوزان كما البدر. صبيحاً مستديراً، كان وجهك، ولا يزال في مخيلتي كذلك. كما كاسة الآيس كريم المثلّجة. هكذا تقول نازك الملائكة التي سرقت ديوانها من مكتبة المدرسة، في يوم شتوي متلحّفاً بمعطف ذي جيوب واسعة. كنت طفلاً وكان زملائي في الصف يلعبون كرة القدم في الفسحة، تحت المطر. اخبرتك القصة كاملة، آنذاك، في المقهى البحري الجميل، عند المنارة. في آخر شمس لي في بيروت. أخبرتك قصصاً كثيرة، وأخبرتني عن الأمل والايمان. شددتك. سرقتك الى هضاب الأفكار وركبنا زوارق الجنون ونزلنا أودية الحكايات. اردتك معي. نقفز فوق الفكرة ونعود اليها. نختبئ وراء العقيدة ونقف فوقها. نرسم على الجدران الرمادية للموروث والتقاليد فراشات ملونة وأجنحة نوارس ومدن ملاه. كنت معي، وسرعان ما انتهت رحلة الكلمات والجنون، ليلتفت اليّ الآيس كريم ويقول: "حسناً، الآن دوري، أصحبك معي في جولتي. في مدني. على أجنحة نوارسي”. وذهبنا. كنت متردداً. أخاف أفكارك. هضابك وجبالك ووديانك. أخاف أن أعشق حروفك فأستعيد الحكمة. وارتحلنا الى بيوت شعرك المخبأة في غابات تختزن ضوء الصباح الأبيض الشفاف. قابلنا تلك القصيدة “دموع الاسماك” ذلك الذي “يضع أذنه على صدفة قلبها، ليصغي، الى البحر”. خفت من طفوليته. عذوبته. اردت المغادرة. وحين فعلت، كان يرمي لي بما أحببت. كان يكمل: “بعينين مغمضتين، يراها، طفلة ترسم بدموعها الدوائر في ماء روحه، وتسأل: هل تبكي الأسماء، مثلنا، في الأعماق، حين تكون وحيدة وحزينة؟”. اردت الرجوع اليه. شددتني. قلت: يكفي. كيف؟ ألست أنت قائلة ذلك الكلام؟ اليس شعرك يكشفك؟ ألست تختبئين وراء ألوان قوس قزح والبيوت المصنوعة من الحلوى، وكل ذلك التفاؤل، وكل ذلك الايمان، وكل ضوء النهار الذي يحفّ اوراق الغابة ويسحرها محوّلاً اياها الى أكفّ صبيان وبنات رضّع صغار...؟ ألست تدارين خلف ذلك كله فقدان الحكمة ودموع الاسماك المختنقة؟
يا سوزان، الا ترين النوارس في السماء تبكي الشرفات المحروقة؟ يا سوزان، تهدمت بيوت الحلوى وأضعت الحكمة.
“ما عادت لي رغبة في أرض. بلاد الله ما عادت واسعة، الأرواح أيضاً ضاقت، كأحذية قديمة”.
من “كوكب أحمر”، افتتاحية ديوانك “مصباح كفيف”.