|
شكل "ما بعد الحداثة" بالنسبة الى المفكر الفرنسي جان فرانسوا ليوتار معضلة زمنية
وفجوة في الزمان الذي صوّره المفهوم الحداثي على انه تتابع وتقدم. فليس ما بعد
الحداثة كما يقول ليوتار، عصراً جديداً، بل هو اعادة كتابة لبعض المظاهر التي ادعت
الحداثة فهمها واهمها تأسيس شرعيتها على اساس ان الهدف منها هو الخلاص العام
للبشرية. وما بعد الحداثة بالنسبة الى ليوتار ايضاً تأتي قبل وبعد الحداثة بمعنى
انها جزء من الخطاب الحداثي. فلا يكون العمل حداثياً الا اذا كان ما بعد حداثي.
ويقول ليوتار ان فكر ما بعد الحداثة ليس سوى صياغة لاسطيقا ما بعد الحداثة التي
بدورها تمثل انعكاساً لمجتمع ما بعد الحداثة. ولا شك في ان ثمة تغييرات لا تحصى
طرأت على حياة الشاعر العربي في العقدين الاخيرين فسارع الى التعبير عنها شعراً.
واذا تناولنا اعمال شاعرات عربيات بدأن كتابة الشعر في العقدين الاخيرين كميسون صقر
القاسمي وايمان مرسال وسوزان عليوان لرأينا مدى تأثرهن بما بعدت الحداثة.
الشعر عن العالم
اقترب الراهن العربي من فكرة ليوتار حول تحول الحداثة الى ما بعدها اي الى "ما بعد
حداثة" عندما بنى تحليله على ما سماه "انهيار السرديات المفسرة الكبرى" التي تتمثل
في العالم العربي بالعقائديات والايديولوجيات التي يمارس وجودها وسقوطها التأثير
الاكبر على الذات الشاعرة. لقد حاول شعراء الحداثة العربية تلبية الدعوة الحداثية
الغربية الى الاتفات الى الذات الشاعرة الا انهم سرعان ما سقطوا في العقائديات
والصراعات الايديولوجية التي كانت من صنع المرحلة. فانحرف الشعر الحديث عن مسار
تحوّله ولم يكمل الطريق الذي خطه الغرب وذلك بسبب التطورات السياسية والاجتماعية
التي شهدتها الدول العربية في فترة الخمسينات والستينات. وهي الفترة التي بدأ فيها
الانفجار الحداثي الحقيقي في الشعر. الا انه انفجار لم يمسّ داخل الشاعر الذي بحث
عن الخلاص خارجه. في التاريخ والذاكرة الانسانية والاساطير والبلطل المخلص وحلم
الوحدة العربية، وادت هذ هالحداثة، كما قال ادونيس، مهامها في اطارها التاريخي، ثم
احتاج الشعر العربي حداثة ثانية وذلك حين بدؤوا في الغرب يناقشون مشكلات ما بعد
الحداثة وعصر الالكترونيات والكومبيوتر والفضاء. نواذا كان الشك في التقدم واخفاق
وعود العلم والفلسفة بتفوق الحاضر على الماضي من اهم بذور ما بعد الحداثة الغربية،
كما يقول محمد يبنيس. فإن اخفاق وعود مرحلة الحداثة العربية بالتخلص من التبعية
ولاساتعمار الاقتصاديين والوصول الى الديمقراطية والحرية الفردية من اهم بذور ما
بعد الحداثة العربية. لم تعد الشاعرة تملك العالم ولم تعد معنية بالقضايا الكبرى
لأنها فقدتها. ولم يعد الشعر بحثاً عن الفهم كما يقول كمال ابو ديب، وعندما لم يعد
الشعر محاولة للفهم، اصبح وصفاً للحظة الراهنة. وفقدت الذات الشاعرة علاقتها
بالعالم الخارجي وبات عالمها في الداخل، في فضاء مقفل تمثل الغرفة نموذجه الاعلى.
كما يقول كمال ابو ديب. فالعالم الخارجي يشكل بالنسبة الى الشاعرة عالماً شديد
الالتباس بينما يمنح عالم الذات الشاعرة الاحساس بالامان والقوة والقدرة على التخلص
من الخوف. تقول ميسون صقر في كتابها "مكان آخر".
سأعيد صياغة هذا المكان
ليكن هذا لكرسي في مكان آخر
سأستغني عن بعض الاثاث
والسعادة
واكون من هذا المكان – مكاناً خاصاً
لا يحمل صياغة غير صياغتي
ولا تكوّنه الاشياء الكثيرة الثمينة
سأعيد ترتيبه بسيطاً
عبر تصوري
وسأجعل اختياره لي
وجاء في ديوان "شمس مؤقتة" الشاعرة اللبنانية سوزان عليوان:
من اطفأ الاباجورة العالية في غرفتي؟
لا بد من ان شبحاً يقيم حيث كان لي في الزاوية سرير.
ثمة يد مجهولة نزعت صورة المغني عن جدارها، وألقت بخشب غيتاره في المدفأة.
الستارة في الطابق الثالث من العتمة والريح تلوح.
لعلها لمحت يدي المعلقة في خواء غيمة
بلا خواتم.
وحين تغوص الذات الشاعرة في عالمها الداخلي تقتصر علاقتها به على الاشياء العادية
اليومية. انه عالم عادي فقد كل قدسية.
الشعر عن الذات
لقد عادت الذات الفردية الى الشعر العربي لكنها عادت صغيرة في لايقينيتها وخوفها
وترددها. وهي ذات قلقة ومأساوية تعاني الفصام والتشظي والخوف بعد سقوط الافكار التي
آمنت بها. فامتلأت بالشك تجاه العالم الخارجي الذي خذلها. وسيطر عليها الاحساس بعدم
الانتماء الى كيان واحد ثابت فرفضت التسليم بالمطلقات ولم تعد تعترف بها وراحت
تدمرها ونجحت في التخلص من تقليد النموذج الاعلى. فتقول ميسون صقر في "السرد على
هيئته":
البيت الذي ينام فيه الاب مستريحاً لأنه رب العائلة، والام التي تظل تطحن الشعير
بالصبر والليالي كي يقوم ابنها من تشرنقه. وكي تزف ابنتها الوحيدة الى حلم تظنهت
ابيض، هو البيت الذي بلا ستائر يستريح الصوت فيه... فمن قال انه وطن كبير للعائلة
تلك السائرة في دروب متآكلة...".
وهي ذات لا تثق في نفسها، مملوءة بالشك في ما تنجزه وتدعيه، كما تقول ميسون صقر في
كتابها "السرد على هيئته". وهي تهزأ من نفسها وتتوقع الاسوأ دائماً ولا تتعامل مع
اي وضع بوصفه خلاصاً، كما في شعر المصرية ايمان مرسال:
ربما الشباك الذي كنت اجلس بجانبه
كان يعدني بمجد غير عادي...
فكرت ان اسمي شارعنا باسمي
شرط توسيع بيوته،
واقامة غرف سرية،
بما يسمح لأصدقائي بالتدخين داخل اسرتهم
دون ان يراهم اخوتهم الكبار...
للأسف شيء ما حدث...
ثم انني ارى نفسي كثيراً
بين غرفة النوم والحمام،
حيث ليس لدي معدة حوت،
لإفراغ ما اعجز عن هضمه.
وانتقلت الى عالم خارجي آخر لا تسعى الى اظهاره في معالم ناصعة، كما يقول ابو ديب،
فلا تظهر منه سوى اشيائه المادية المحسوسة وتفاصيله وروائحه ومطره وشمسه وقمره
وجباله وترابه واشجاره كما في شعر سوزان عليوان:
كلما حط على كتفه طائر
تذكر الشجرة التي كانها،د
مقعد منسي في حديقة
هذه الذات تنشغل باللحظة الراهنة دون ان تلتفت الى المستقب الذي لا يعنيها او تهتم
بالماضي الا اذا كان ماضيها الشخصي الفردي القريب، الا انها ذات بلا ذاكرة تربطها
بالعالم الخارجي بعدما تخلصت من ثقل التاريخ. هي ذات راهنة، اللحظة الراهنة زمنها
وشعر اللحظة شعرها. فهي تدع اللحظة تمر عادية بهدوء ودون ان تناقش خلالها قضايا
العالم الخارجي. هكذا يصبح الشعر انعكاساً للحظة الراهنة العادية البسيطة.
انه شعر التفاصيل اليومية التي حلت محل السرديات الكبرى فلجأ الى القصص والممارسات
الصغيرة والاحداث المحلية. شعر منشغل بالذات في لحظتها الراهنة لا يبث الا هواجس
الصوت المنفرد وهمومه.
شارعان في عناق، عند تقاطع
اشارة معطلة
تحملق في المارة بعين حمراء
تتواطأ الشاعرة مع ذاتها، فتنشغل في الذات الفردية وتغوص في ما تنتمي اليه هي
وحدها، في تجربتها الخاصة. يبدو تفكير الشاعرة مستمر في ذاتها حتى تنغلق عليها،
فتقول ميسون صقر في السرد على هيئته "تظل فرديتي هي الخاصة جداً والاحادية جداً".
وتظهر حالة الفصام التي تعيشها هذه الذات، خصوصاً انها تنتمي الى امرأة خليجية او
عربية اختلفت عن النموذج الاعلى الذي كان عليها محاكاته، فهي تخرجح عبر الشعر من
سجن بني في وعيها. ولهذا السبب ايضاً، هي ذات في غرفة الا انها غربة تميل الهيا
لأنها هدم للمكان الثابت.
ويظهر في هذا الشعر تعدد الاصوات وتداخل الاجناس الادبية، فالشاعرة ترسم معالم قصة
في قصيدتها وتلجأ الى سردها في اسلوب يبتعد عن الشعرية وفي استخدام المفردات التي
تنتمي الى الحياة اليومي كما في شعر ايمان مرسال:
سنذهب معاً الى مدينة الملاهي
وندخل بيت المرايا
لترى نفسك اطول من نخلة ابيك
وتراني بجانبك قصيرة ومحدبة.
سنضحك كثيراً بلا شك
وستمتد الرحمة بيننا
وسيعرف كل منا
ان الآخر يحمل فوق ظهره.
الشعر على الشعر
تناقش ميسون صقر شعراً ما تكتبه في شعرها اي انها تصف شعراً الطريقة التي تكتب بها
شعرها، "السقوط فجيعة والفخ للعصافير والنهار كما الانكسار... اذن كيف اشتقها
اللغة؟"، "التفكيك سكينة ماضية، مأمن النفس من تجاعيد اليومي المضطرب...".
وتحاول سوزان عليوان ان تواجه اللغة بوسائل تشكيل كالفضاء والفراغ والصور. وليست
الرسوم التي جاءت في تجربتها الاخيرة "كائن اسمه الحب" نوعاً من الزخرفة ولا شرحاً
للقصيدة بل جزءاً منها، جزء من الشعر يخفف وطأة اللغة. فهناك حاجة لدى الشاعرات
الثلاث الى رفض تمجيد اللغة والتجرد منها واللعب بها والصعود بها الى حد الخفة
والطيران (ميسون صقر في مكان آخر بشكلٍ خاص). الا ان التجربة الشعرية تتفاوت عند
الشاعرة نفسها التي لا تتبع نموذجاً واحداً لا في معنى الشعر ولا في اسلوبه او شكله
خصوصاً لدى سوزان عليوان وميسون صقر. وما يميز هذا الشعر فعلاً هو التجاور بين
السخيف والعظيم كما في قصيدة ميسون صقر "من موقد يشتعل" في ديوانها "البيت":
التاريخ الذي يخرج علي
من المدفأة
من موقد يشتعل
من الهاتف والصنبور...
|