صوت شعري جديد حافل بالوعود

12/12/1996 "فاروق شوشة - مجلة "سيّداتي سادتي

 

فوق الغلاف الأخير لمجموعتها الشعرية "عصفور المقهى" تتألق هذه الكلمات:

"كنتَ شمسي

في الشتاء

كنت معطفي

تحت المطر

كنت المقهى

والأصدقاء

كنت البسمة

لقلبي الحجر".

وكأنّها البطاقة الشخصية الشعرية لشاعرة جديدة واعدة، في شعرها روائح وألوان وأضواء وظلال من عواصم شتّى، ومن أماكن لا يستقر فيها وجدان قلق، شديد الحساسية، عميق الاهتزاز والتأثر.

تلك هي "سوزان عليوان" التي عرفتها لأول مرة على مقعد الدراسة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، والتي تنتمي لشجرة الشعر اللبنانية التي أنجبت الأخطل الصغير، بشارة الخوري، وسعيد عقل، وأمين نخلة وآخرين، وتنتمي –من ناحية الأم- لشجرة الشعر العراقية التي أنجبت الجواهري ونازك الملائكة والسياب والبياتي وآخرين.

هي إذًا نتاج تفاعل خلاق بين أصول لبنانية وعراقية، ودراسات مصرية، اختلطت بأجواء أوروبية، تحتل "باريس" منها مكانة القلب وشرارة الإلهام، ومن هنا فهي تُهدي ديوانها "عصفور المقهى": إلى باريس، المدينة والحلم.

"جرح أنا بملامح بشرية

حزن أنا بصورة إنسان

لا إسم لي ولا رسم

لا توقيت لي ولا عنوان

وطني غربة

وزمني هو اللازمان

أنا وشعري

في عيون الناس

دمعتان

فالقدر يأبى

أن يكون لنا

في دنيا الفرح

مكان".

هذه الكلمات أعطتها سوزان عنوان "هويّة شعريّة"، وكأنما تقدم بها ذات الشاعرة إلى القارئ والمتلقي، مفصحة عن دائرة الشجن التي تنسج خيوط عالمها الشعري، وعن بركان الحزن المتفجر الذي تنصهر بداخله كلماتها الشفيفة الأسيانة، حاملة وجع القلب ونداوة الدموع.

اللغة في قصائدها حصان جامح، يصهل ويتقافز، معلنًا عن حويته ونشاطه وحريته في الوثب والانطلاق، والفارسة الشاعرة تترك لجوادها العنان، يأخذها إلى فضاءات واسعة، تتنفس هواءً نقيًّا خالصًا، ويحملها إلى أرض الكنوز الشعرية الخبيئة، تغترف منها، وتهدي إلى قرائها ورفاق رحلتها:

"1

سيمفونية المطر

لا تنتهي

إلاّ لتبدأ من جديد

الشروق رماد

الدروب جليد

2

وحدي على الطريق

وحدي

بلا أمل

بلا رفيق

وحدي

أقصى أمنياتي اليأس

الجرح: أعزّ صديق

وحدي

وحدي على الطريق

3

رحيل

غربة

قدر

فصولي بلا ربيع

ليلي بلا قمر

يسافر الحنين في دمي

كالشجن في عروق وتر

لا عنوان لي في الأرض

كل ما أملك: حقيبة سفر".

 

وتقول سوزان عليوان:

"ماذا يحدث داخل قلبي؟

ما سر مزاجيتي وتقلّبي؟

في لحظة

أريد أن أضحك

وفي لحظة

أريد أن أبكي

تارةً أشعر أني بلا عنوان

وتارةً أشعر أن العالم ملكي!"

 

وتقول:

"عندما أحبك

يخضرّ قلبي

وتخضرّ الأوراق اليابسة فوق الرصيف

يغيب اليأس عن أفق أحلامي

وتثقب شمس الأمل جدار الغيم الكثيف

عندما أحبك

يأتي الربيع في الخريف".

 

والشاعرة تختار ما أصبح يُسمّى بـ "قصيدة النثر" لغة وصيغة لبوحها الشعري. وهي حُرّة في الشكل الذي تتقنه وتستريح إليه. صحيح أن هناك من يرفض هذا الشكل الشعري ويراه –في أحسن حالاته- مجرد نثر فني جميل، لكنه لا يعترف بتبويبه داخل السياق الشعري.

وهؤلاء يعودون به إلى أصوله الأولى في تراثنا العربي في كتابات النفري الصوفي صاحب اللغة شديدة الثراء والتركيز والحرارة والتميز خاصةً كتابيه: المواقف والمخاطبات، أيضًا في كتابات جبران خليل جبران ومصطفى صادق الرافعي، وفي إبداعات حسين عفيف الذي أصدر عدّة دواوين من بينها: الأرغن والغدير والغسق وحديقة الورد، لكنه لم يخلع عليها أبدًا لقب القصائد الشعرية، وكان يقدمها لقارئه بقوله: "مقطوعات من الشعر المنثور، تعصر لب الحياة في كأس، تحوي قيمتها الأصلية مصفّاة مما يشوبها، وتغني منها القطرة عن البحر. هدفها إيقاظ القلب باللفظ المشعّ والإيحاء الهامس، ليبصر الحقائق بنفسه من خلال إشراقاته، ويكتشف طريقه الذي يضله مغمضًا. فالقلب يبصر ما لا تراه العين، ويلهم كالطير اتجاه الريح.. وهو أبعد إدراكًا من العقل وأصوب".

وما يقوله حسين عفيف عن دواوينه وكتاباته، ينطبق بدوره على كتابات سوزان عليوان.. وأنا شخصيًّا لا اعتراض لي على قصيدة النثر، باعتبارها رافدًا يثري الحياة الشعرية، ويدفع بمياه جديدة في بحيرة الشعر الراكدة. صحيح أن تحللها من الوزن والموسيقى والعروض الشعري التقليدي، قد جعلها مطيّة سهلة للمتشاعرين والمتشاعرات الذين لا يمتلكون موهبة شعرية حقيقية، لكن هذا موجود أيضًا عند من يكتبون كلامًا موزونًا لكنه لا يُعدّ شعرًا بأي مقياس. الشاعرية الحقيقية كيمياء شديدة النفاذ والتأثير لا علاقة لها بالوزن أو بغيره. وقد آن الأوان بالنسبة لنا جميعًا كي نتعامل مع كل صور الإبداع وأشكاله ومغامرات أصحابه بكل رحابة أفق وسعة فهم وأصالة تذوّق.. فالحديقة الشعرية تتسع لمئات الأشكال والصيغ، وتزدهر بأشجار من كل نوع ولون.. وسوزان عليوان تعطينا الأمل في أن نجد صوتًا جديدًا لشاعرة واعدة موهوبة، تعمّق وجدانها بالتجربة الإنسانية، وترتطم في كل يوم برحلة الحياة ومعاناتها الحادّة، وتثقل عقلها بالقراءات والثقافات، وتخوض واقع العلاقات الإنسانية بكل إحباطاته وقتامته وضوئه الشاحب القليل.. لكنها تمتلك الإصرار والأمل، بالرغم من مرارة الألم وقتامة الحزن والوصول أحيانًا إلى حافة اليأس.

تقول في قصيدة عنوانها "أحزان في باريس":

"1

وجهك الحزينُ

كقرص شمس مهزومة

وهي تنتظر موعد غروبها

الذي لا يحينُ

يحترق بداخلي

مع اندفاع براكيني

وجنون زلازلي

فهواه

لم تطفئه

السنونُ..

2

ملامحك

تلاحقني

كالحلم الطائفِ

في شارع الشانزليزيه

فوق قصر النصر

وعلى ضفّة نهر "السين" النازفِ

كجراح جرحي العاطفي".

 

وأهلاً بالشاعرة الواعدة، عصفورة المقهى، وحاملة النار التي لا تنطفئ، لأن جذوتها المأججة دومًا هي بعض نزف هذا الوجود.