شعر يصعب التعامل معه ببرود

جورج جحا - موقع "رويترز" 2008/3/31

 

فى القصائد التى ضمها كتاب "بيت من سكر" تطل سوزان عليوان مرة اخرى شاعرة يصعب التعامل مع قصائدها بحيادية باردة بمعنى الابتعاد عن التأثر او الهرب من "العدوى الفنية" التى هى نسغ الحياة فى الشعر والتى تشع من هذه القصائد. وربما تراءى للقارىء ان شعر سوزان عليوان فى مجمله يشبه سحبا شفيفة كالضباب تنشر بجمال له شخصيته المميزة رذاذا من الاحزان يندر ان يفلت قارىء من اسره.

فى كثير من القصائد عناصر تعطيها قدرة على التأثير فى النفس. انها تتسم بتصويرية لا تقتصر على الحسى بل تبدو نتيجة نسيج يتألف منه ومن المجرد ومن المباشر اليومى والمجازى وحتى الرمزي. وهذا فى مجموعه ربما شكل عبئا على القصيدة يجعلها تنوء وتتحول احيانا الى معادلة فكرية باردة اذا لم يكن هناك داخل الشاعر "مصهر" يحول ذلك كله الى "ذوب عاطفي" وهو ما يسمى دفء التجربة الشعورية. وهذا الدفء بل هذه الحرارة تسرى فى كلمات سوزان فيتحول كثير من قصائدها الى صور حية تفيض منها المشاعر وحتى الافكار والحالات الذهنية. وشعرها ليس شعرا "ذهنيا" لكنه يحمل كثيرا من المواقف الفكرية وبعض السمات التى يشعر القارىء بأنها تراوح بين الرومانسى والتصوفى خاصة حيث تتحدث عن "وحدة" بين الكائنات الحية والاشياء.

هذه الوحدة تبدو عندها مرة ابنة نظرة فلسفية "حلولية" وتبدو فى آونة اخرى كانها عودة الى عالم الطفولة الذى يرى حياة فى الجماد والنبات فيتحول العالم عندها الى عالم شبه سحرى متألق. الا ان ما نكتشفه من "سحر" فى عالم سوزان هو سحر حزين وان بدا خلابا احيانا كليلة مقمرة. وفى كل ذلك تبقى قدرة الشاعرة على نقل موحٍ لحرارة التجربة وخبايا النفس حية نابضة وسريعة العدوى.

قد نلتقى عند سوزان عليوان بصورة تذكرنا باخرى عند شاعر او ببعض اجواء تذكرنا باخر لكنّ ذلك هو دائما عرضى سريع الانقشاع اذ تسيطر "البنية" الشعرية الخاصة بالشاعرة على القصيدة ككل. وكذلك هى الحال مع بعض الافكار او التصورات التى تبدو لنا مطروقة قبلا. لكن الامر المهم هو التعبير الفنى الخاص اذ ان "المعاني" كما قال نقاد عرب قدامى "ملقاة على قارعة الطريق". يبقى الشكل الفنى اذن. وسوزان ذات شخصية مميزة فى صورها والاشكال الفنية التى تخرج من بين يديها.

الكتاب ورد ضمن "سلسلة آفاق عربية" التى تصدرها "الهيئة العامة لقصور الثقافة" فى القاهرة والذى جاء فى 159 صفحة متوسطة القطع ضم قصائد للشاعرة اختيرت من عدد من مجموعاتها الشعرية التى نشرت بين سنة 1994 وسنة 2004. سوزان الشاعرة والرسامة الشابة مسكونة بغرابة جميلة متعددة الوجوه وبطفولة لا تغادرها. ولدت فى بيروت من اب لبنانى وام عراقية الاصل وبسبب الحرب صرفت سنوات طفولتها ومراهقتها بين الاندلس وباريس والقاهرة. تخرجت عام 1997 من كلية الصحافة والاعلام فى الجامعة الامريكية فى القاهرة.

فى قصيدة "عصفور المقهى" جو من "الغرابة" شديدة الايحاء لانها يصعب ان تربط بما هو محدد ومحدود فهى تتجاوزه الى تعدد الاحتمالات. يشبه الامر وان من ناحية معينة دعوة الرمزيين الى ان يشبه الشعر الموسيقى. ولعل الصورة الشعرية هنا دخلت الى عالم يشبه عالم الموسيقى الذى يقول الكثير مما لا يمكن "القبض" عليه وحصره فى قالب معنوى واحد جامد. تقول الشاعرة "مكانك فى المقهى/ليس خاليا./بعد رحيلك/جاء عصفور/ وجلس فى ركنك./ اتأمله/من بعيد/مثلما كنت اتأملك/وهو يدخن سيجارته/ويشرد بعينيه التائهتين/فى الدخان.

فى "وردة الموت" نموذج عن وحدة حياة تطل من خلال وردة كما فى عالم عمر الخيام. تقول "فى الوردة التي/تنبت من قلب التراب/عطر موتانا". وفى قصيدة "ليست انا" بساطة نفاذة فى تصوير عالم من الحزن وتذكر فردوس مفقود. قالت سوزان "فى الصورة المعلقة على الجدار/ طفلة تشبهني/ ولولا انها تبتسم/لظننتها صورتي". اما العدل فهى تصوره على الشكل التالى فى قصيدة تحمل اسمه. تقول " الليل عادل/لا يفرق/بين بحر/وسماء/بين عصفور غريب عن الشرفة/وانسان غريب عن البلاد./الليل عادل/فى السواد." وفى قصيدة "الموت الاخير" مواجهة للمفجع فى شكل لطيف كأنه تجاوز الاسئلة المحرقة المقلقة وسكبها فى بساطة كانها خارجة من رماد ما بعد الحريق. رماد يحكى عن النار ببرودة تشبه المهادنة التى ليست ابنة الاختيار بل هى قدر يعمل بصمت ودون ضجيج. تقول "ثمة اشياء/لا نعتادها./نموت /كل ليلة/مؤقتا/لكن موتنا الاخير /يفجعنا/دائما".

فى "الغريبة" غرابة مميزة فى التصور والتعبير غرابة خاصة وإن بدت ذات نفس وتقاطيع سريالية. تقول "حملت/نعش طفولتي/على كتفي/ومشيت/ فى جنازة احلامي./تبعنى اطفال/ عصافير/ظلّي/رافضا ان يكون/ظلا/لطفلة ميتة". فى الخيبات والنهايات المؤلمة نواجه "انطفاءة" ربما كانت اكثر هولا من الموت العادى نقرأ "مأساة المهرج" حيث تقول سوزان "الان فقط/ احسست/ بمأساة المهرج/حين يفرغ دمه/كاملا/فى عروق النكتة/ولا يضحك احد". ولعل فى قصيدة "شتاء" صورة فذة للشعور بالوحدة والخيبة وبأن العالم يبدو خاليا فى وجه طفل وحيد فى ظلام شارع. تقول "لم اكن ابكي/لكن الاصحاب /كانوا يختفون فى عيني/كاضواء السيارات/ تحت المطر".

صورة اخرى من هذا النمط ترسمها سوزان فى قصيدة "دمعة" حيث تقول " طفلة مبتلة الثوب/تركض/ من ضفة النهر/الى عيني". وعن "الاشياء والاحياء" والوحدة الشاملة تتحدث بغرابة جميلة قصيدة بعنوان "فزاع الطيور" وفيها نقرأ "كثيرة هى امنياته/اكثر من السنوات التى امضاها واقفا فى هذا الخلاء/اكثر من البذور التى يحرسها الهواء/عبر جسده القليل/ يحلم بمقعد يريح ساقه النحيلة/بوضع يده فى جيب /فى كف امرأة/بغيمة تستقر فوق راسه تماما/ باولاد طيبين يقذفون نحوه كرة القدم بين حين واخر/بدلا من الاحجار/بازهار قليلة تنبت حوله/ليطمئن ان احدا فى العالم سيفتقده/ان سقط/بضربة منجل..".

وفى مكان اخر نقرأ "جسر قديم/يوبخ قوس قزح/لا تغترّ يا ابنى بهذه الالوان/كنت انا مثلك."

وعن الاحزان العتيقة نقرأ قصيدة "ازل" تقول الشاعرة "ليتنى كنت/حين كانت امي/طفلة حزينة/تحتاج الى صديقة/فى مثل حزنها./ ليتنى كنت هناك/ اقاسمها وحدتها/يتمها/وليتنى كنت اكبر منها قليلا/ لاكون امها". وتستمر سحابة الاحزان ورذاذها فى سائر قصائد الكتاب فهى سمة تميز الشاعرة.