|
تحسن الهيئة المصرية لقصور الثقافة
صنعا عندما تقدم لنا في سلسلة آفاق عربية نماذج ممتعة من الابداع العربي في السرد
والشعر, لأن سماء هذا الإبداع الرحبة تبدو أنقي من سحاباتنا السوداء. وقد
أهدتني الصدفة ـ لأن الهيئة لا تهدي اصداراتها لأحد ـ مجموعة شعرية طريفة بعنوان
بيت من سكر لشاعرة لبنانية شابة هي سوزان عليوان فتوقعت طبعا أن تكون من قصائد
النثر, وسعدت لأنها مختارات من تسعة دواوين نشرتها الشاعرة ولما تتجاوز العقد
الثالث من عمرها الغض, فنحن إذن حيال موهبة شعرية متدفقة, رضعت من أرز لبنان
وشوامخه شعرية ناعمة واعية, تنهمر مرة في حبات مقطرة كالرذاذ الدافيء, ومرة
أخري في زخات مكثفة كالسيل الجارف, لكنها دائما مفعمة بروح الطفولة الحلوة,
وملونة بمفاتن الأنوثة الشهية.
وإذا كانت راية الشعر التقليدي التي يرفعها في وجه قرائه هي انتظام النسق الموسيقي
في شكله المكتوب, فإن توزيع الكلمات المقتضبة الدالة, والبياض الذي يكمل السطور
في قصيدة النثر هو مؤشر اكتنازها بروح الشعر واجتراحها لبكارته الجسور دون غطاء
الوزن الستار, ومن ثم فإن الفواصل التي نخطها بين الكلمات مراعاة لاقتصاد المكان
تدعو القراء للتوقف والتذوق البطيء.
وإذا كانت الغربة قاسما مشتركا أعظم بين جميع المبدعين فإن طريقة التعبير عنها هي
التي تمنح تجاربهم نكهتها الخاصة وعوالمهم طابعها المائز. وشاعرتنا ترسم غربتها
بمهارة فائقة إذ تقول:
حملت/ نعش طفولتي/ علي كتفي
ومشيت/ في جنازة أحلامي
حملت النعش الصغير/ ومشيت
قابلت قلوبا أعرفها/ وجوها لا أذكرها
مشيت/ لم يعرفني أحد
.....
الفجر الشاحب/ يشبهني
النهر الأخضر/ يشبه ذبول عينيك
جرح الشمس/ في الشروق/ لا يشبه أحدا
....
تتشابه حقائب السفر/ التذاكر/ المطارات
ليالي الوحدة/ في ظل قمر غريب
....
تتشابه بطاقات الأصدقاء/ أمطار الشتاء
المقاهي/ المتاجر/ وجوه الناس/ في الزحام
....
وحدي أنا الغريبة/ لا أشبه أحدا
وإذا كان الشعر يمتزج بالحلم ويشبه الرؤيا, وكان الواقع المستقبلي هو الذي يعطي
للرؤيا مصداقيتها, فإن شاعرتنا التي عاشت طفولتها إبان الحرب الأهلية اللبنانية
عندما تودع طفولتها لابد أن تجسدها في صورة جنازة, وعندما تتوسل بمتتاليات
التشبيهات للتعبير عن تفردها, فتجمع الحقائب والتذاكر والمطارات خلال الأسفار في
نسق متوافق يبرز احساسها الموجع بالانفراد والتوحد, فإن هذه الجنازات والأسفار هي
أدوات التمثيل الشعري الجمالي للواقع اللبناني والعربي, في ماضيه القريب,
وحاضره الجاثم علي القلوب, مما يؤذن باستمراره أفقا للمستقبل, ويجمع بين
المبدعة وقرائها العرب في رؤية فاجعة للحياة, حتي وهي تستعرض عذوبة الطفولة
ونضارة الشباب.
أظافر مطلية بالشهوة:
لكن بيروت الأنثي ـ كما كان يسميها نزار قباني ـ لابد أن تكشف عن وجهها وأظافرها
المطلية بالشهوة في شعر سوزان عليوان, فتقدم لنا طرفا من سردياتها المكثفة
وحكاياتها المثيرة في هذه المقطوعة:
كان صباحا داكنا كقهوتنا/ كعينيها الحادتين
كذلك الغموض في القصة
....
شمس سوداء في خيم النراجيل/ القطة نائمة
النادل ببابيونته المعوجة يتثاءب
....
ساقان عاريتان/ أظافر مطلية بالشهوة
ندب يجرح ضحكتها
....
من أين جاءت بأسمائنا/ كيف انضمت الطاولتان؟
نخون وعدنا لأمهاتنا/ ونأخذ قطع حلوي من أشخاص لا نعرفهم
....
تفتح دون مواربة قلبها/ بيتا مؤثثا بالبشر
الخائن لأنوثتها/ أطفال معوقون بأمومة ناقصة
الرجل الذي يأكل نصف الكلام/ ويقضم بكثير من القسوة تفاحتها
المشعوذ ذو الأرنب والعينين الزجاجيتين/ عجائز بعدد التجاعيد
....
في البيت تحف من أصابعها/ نباتات/ امرأة وحيدة
لست أدري لماذا تراءي لي كأن الشاعرة ترمز لمدينتها بهذه المرأة الشنيعة, ذات
الأظافر المطلية بالشهوة والتاريخ المثقل بالخداع, فكل ساستها يحملون صولجان
الزعامة الطائفية والدينية, ويراودونها عن الحكم. لكننا نعود للنص فحسب,
للمرأة التي انضمت لطاولة الفتيات البريئات, وجعلتهن ينسين وعدهن لأمهاتهن بأن لا
يأخذن قطع الحلوي من الغرباء, وما أجمل هذا التمثيل لمهاوي التجربة والنضج,
وكما نري فالقصيدة تعتمد علي السرد, لكنه متقطع مكثف, مفعم بالصور الجارحة
المحفورة في المكان, أما حكاية ذات القلب المؤثث بالبشر ومن تناوب علي خداعها من
الرجال حتي بقيت وحدها مع نباتاتها ومشغولاتها اليدوية فهي أمثولة شعرية بليغة
لحياة مدنية تبدو دائما كالأنثي الغاوية المغوية في وحدتها المسكونة بالآخرين.
حبات ومفارقات:
تتناثر في هذه المجموعة حبات السكر التي تتمثل حلاوتها فيما تثيره من مفارقات
طريفة, تخلع علي الأشياء غلالة شفيفة من نضرة التجربة الشابة, مثل:
زهرة اليكترونية/ تتنهد/ لو يضمني كتاب
كلما حط علي كتفه طائر/ تذكر الشجرة التي كأنها/ مقعد منسي في حديقة..
تعلم الرقص لقطتها/ خلف النافذة/ كلب ينبح/ وأنا؟
فنجان حزين جدا/ كيف له أن يحضنها/ فيما تقبله/ وله ذراع واحدة!
من الضروري لنا أن نعترف بأن الفن نوع من اللعب والتخيل الحر, وأن فن الشعر ليس
مجرد لهو من الكلمات, بل هو مشاغبة للغة, وجرح للمألوف, وتعليم للطيران
الرشيق في تخيل الكائنات والمعاني, كما نري في هذه الشعرية الأليفة التي تنسكب
علي سطح الكلمات بأناقة وحيوية جميلة.
|