|
تخيل فقط أن
مكانك في المقهى يشغله عصفور، يدخن سيجارة، ويشرد "بعينيه التائهتين في الدخان". لا
تتخيل. افترض. ابتكر. افعل ما يحلو لك. يحق لك ما لا يحق لغيرك. يحق لك، إذا كنت
شاعراً، تماماً كما تفعل الشاعرة سوزان عليوان في كتاب مختارات من شعرها صادر لدى
"سلسلة آفاق عربية" في مصر تحت عنوان "بيت من سكر". لا تتخيل عليوان، ولا تبتكر أو
تفترض فحسب. هي تبوح بدواخلها. أو قل إنها تفكّر بصوت مرتفع. تكتب الرحيل الذي لا
ينفكّ يتداخل في قصائدها: "في الوردة التي/ تنبت من قلب التراب/ عطر موتانا". هنا
الرحيل أبديّ. لكنه ينطوي على عودة. عودة العطر، الذي هو لبّ الذاكرة. كما السواد
لبّ الليل، و"الليل عادل في السواد"، أما الموت الأخير "فيفجعنا دائماً". تكتب
أنواعاً مختلفة من الرحيل. ثمة رحيل موقت، ورحيل أخير ودائم. كل رحيل ينطوي على
موت، وكل موت ينطوي على ولادة من "قلب التراب". هكذا يُنتج شعر سوزان عليوان نفسه
من نفسه، بحركة دائرية، تكتب الموت، وتستخرج الحياة منه. فالماء "يضحك وحيداً في
القاع"، كما تكتب في إحدى قصائدها المنشورة في ديوانها "لا أشبه أحداً" الصادر في
العام 1996. الوحدة حاضرة دائماً، كطيف أو كفعل إلزامي، كمن يطفئ مصباح السرير قبل
النوم، لكن حتى العتمة لا تساعد في النوم، ولا الريح: "الريح ما زالت تهدهدنا/ هل
نغفو؟"، ذلك أن "أرجوحة النعاس لا تتسع لإثنين".
وهنالك أيضاً الحنين
إلى الماضي، إلى الذكريات، إلى زمن الطفولة: "ردّني/ إلى صورتي القديمة/ في مرآتي".
الحنين أيضاً إلى المستحيل، الحنين الذي هو إنعكاس التمني: "لو أن هذه الأزهار
الذابلة تبتسم/ لو أن صورتك العابسة فوق الجدار المعتم تبتسم/ أنام الليلة". غير أن
الأشياء حين نفتقدها تحدث فراغاً مدوياً، فراغاً مباغتاً على ما تصفه "يفرض تأنيث
الأرواح". والأرواح في مكان آخر من كتابها "أيضاً ضاقت كأحذية قديمة". تكتب قصيدتها
متخلصة من وطأة التركيب والتوضيب والصناعة. هي ببساطة تكتب كما تتنفس، أو انها
تتنفس كما تكتب. الكتابة عندها تبدو سهلة، مثل التنفس، لكنها في الآن عينه معقّدة.
تكتب عليوان قصيدتها بإيجاز، فتكثف المعنى على حساب المطّ والتطويل، منتزعةً
شعريتها بأقل قدر ممكن من الكلمات، معتمدةً أسلوب رصّ اللغة، وإشباع الصور
والمفارقات: "كل شيء مستعار هنا./ الجدار والنافذة،/ ظلال السقف،/ الباب الخادع بين
فراغين،/ اسمي ودمعة مصباحك".
الحلم في قصيدتها
يعيد ملء الفراغ الذي تشعر به: "حملنا الصناديق/ ومشينا نحلم/ بخشب التوابيت يخضرّ/
يعود أشجاراً نتسلقها". الحلم شديد الغرابة، كما قصائد سوزان عليوان. غرابة تؤسس
لفرادة نوعية: "جسر قديم/ يوبّخ قوس قزح:/ "لا تغترّ، يا ابني، بهذه الألوان/ كنت
أنا مثلك". غرابة إفتراضية في الأساس، لأنها في كتاباتها تستمر "في تصديق ما لا
تراه". شعرها يستند إلى الإحتمالات والتأويلات والأحلام: "شريطة في شعر طفلة/ تحلم/
بأن تكون فراشة/ فراشة/ تحلم بأن تكون/ شريطة في شعر طفلة/ طفلة تحلم". ثمة ترابط
دائم بين عناصر القصيدة وشخصياتها، بين المشهد والآخر، حتى تنتهي إلى مفاجأة، كأن
تقول في مكان من كتابها: "إشارة معطلة/ تحملق في المارة/ بعين حمراء".
تعرف تماماً أن الشعر
لا يستطيع شيئاً أمام المستحيل. لا يستطيع إنهاء الألم، ولا إبعاد شبح الموت. تكتب
كأنما تبحث عن مخرج من دوامة لا مخرج لها. تكتب بلا أمل بالشفاء من أمراض الوقت
والحزن. لذلك تعلن بيأس: "الأرض بلغت هاويتها/ ما عادت أمامنا طرق/ والوقت الذي
بحجم دمعة/ أقل مما نحتاج/ كي نموت/ مبتسمين".
|