بيت من سكر خادع: شاعرية البراءة وطفولة الخيال

علاء الجابري - جريدة "أخبار الأدب" 2007/9/9

 

كثيرا ما تكون الدواوين القائمة علي جمع مختارات من أعمال سابقة موسومة بنوع من التشظي وافتقاد النسق الحاكم لتكون سندا لاصحاب النظريات النقدية وتوجهاتهم غير أن اللبنانية (سوزان عليوان) في ديوانها (بيت من سكر)تهز كتفيها استهانة بهذا الظن وتخرج لسانها للباحثين عن التماسك النصي وتجمع في هذا الديوان مختارات من ثمانية دواوين تتسم بالوحدة المردودة بالأساس إلي البراءة المهيمنة علي الديوان بأسره برغم ما يحيطه من مرارة وكابة.إن هذه الوحدة التي تجمع المختاراتتؤكد أن الشعر علي أي شكل كان مفارق بامتياز ليس فقط لجفاف التقعيد ولكن لما يسمونه خلفية اجتماعية فهذا الديوان يأخذك برفق لتلتهمه في جو من المودة والراحة بعيدا عن الصخب المحيط بخلفيته الصاخبة وخيوطها المتشابكة.

يخدعنا العنوان عن كمية الكآبة البادية في ثنايا الدبوان ليتماهي ذلك مع الفخ المرصود باستخدام لغة مغرقة في البساطة ولكنها كبساطة اللون الأبيض الذي يحوي جميع الألوان لغة عادية كما يقولون ولكنها مفعمة بالتذكر والاستدعاء بدلا من أن تتكلف معجما جديدا لغة لا تأنف من اصطياد المكرور من الرموز التي صارت في عرف البعض مستهلكة يأنف الكثيرون من معاودة تكرارها ولكن إعادة العزف باللحن ذاته مع توزيع جديد ربما كان موهبة في حد ذاته وذلك من مثل قولها(ناديتني باسمي فأحببته) في الوردة التيتنبت من قلب التراب/عطر موتانا)(تعثرت بضوئكعثرت علي ظلي (في الصورة المعلقة علي الجدار طفلة تشبهني ولولا أنها تبتسم لظننتها صورتي) ولا ينبغي الظن بالمراد وجود أنفاس الآخرين،واستمرار هيمنته علي الديوان فقد خرجت الشاعرة عن أطيافهم التي لا يعني وجوده إننا نرصد الديون بعين تقوم علي فكرة السرقات المباحثية أو فكرة التناص المخابراتية ولكن الجو العام لبعد القصائد يعيد الذاكرة لتبحر في أجواء سابقة كما في قصيدة :مأساة المهرج (ألان فقط /أحسست/بمأساة المهرج /حين يفرغ دمه/كاملا/في عروق النكتة/ولا يضحك أحد) .أما الكأبة البادية في الديوان فيكفي منها قولها (الليل عادل/لا يفرق بين بحر وسماء/بين عصفور غريب عن الشرفة /وإنسان غريب عن البلاد/ والليل عادل في السواد )
يبدو أن البيت الذي تقصده الشاعرة في عنوان الديوان هو بيت الطفولة والأحلام فهناك روح بريئة للغاية تحيط بالديوان كله علي مدار المختار من القصائد فيبدو في الكثير منها معجما طفوليا بريئا وهي منطقة كانت قصيدة النثر تأنف من مقاربتها ويبدو حضورها قويا علي يد بعض الشاعرات (مها شهاب الدين مثلا في -حفره للعب -) ولكن سوزان عليوان تربط في أستاتيكية عجيبة بين الطفولة أو ما تفتقده في الحياة عموما لتكون الطفوله لديها هي الحياة الحقيقية فتقول(حملت/نعش طفولتي /علي كتفي / ومشيت في جنازة أحلامي)أو تقول (حين لامست قدماي/أرض واقعها/علي السجادة المجاورة /لسريري/خطوت خارج اللوحة/ التي رسمتها العمري/ ومنذ ذلك الصباح/وأنا أدور حول نفسي). وهذا الانحباس في مرحلة الطفولة جعل أشد اللحظات وطأة مرتبطا بأفتقاد هذه المرحلة مهما كبرت (كل ما حملت به /خذلني / وكأن قدمي الصغيرتين / مخلوقتان للانزلاق) ولم يقف الحد عند ربط الانهزام بالخروج عن الطفولة فقد أكتنز المعجم الشعري بالحديث عن المرجيحة،والضفيرة والمدرسة والأحصنة الخشبية والارتباط بالأشياء بشخصها أو بوصفها(بتعبير القانونيين)فتقول(ظل الطائرة الورقية/لا يغادر مساحة طفولتي/رغم أنني أفلتها/وبترت أصابع اليد الواحدة التي كنت أحصي بها أصدقائي).

كان من الطبيعي أن يكون الحب واحدا من محاور الديوان ونقطة ارتكازه الأولي ليس فقط لأنه تيمه أساسية في الإبداع ولكن لأن روح البراءة والطفولة لآبد أن تلتفت إليه وجودا أ, افتقادا أو انتظاراج ، أو عتابا للحبيب ، حتي يصل الحب إلي حد أنجراح الأنثي في الديوان مما لم يفهمه الحبيب ، برغم أنها لم تصرح به ( في قصيدة جرح ) .
وربما كان إحساس الوحدة هاجسا أساسيا لا ينفك عنها في أشد لحظات التقارب
( تؤرجحني ، في فضاء / كملاك له / خلف المجرات / أخوه وعلي الأرض أصدقاء ) ليكون البحث عن الحب أحيانا نوع من محاولة اكتمال الوجود ذاته عبر الأخر المحبوب وهو ما يظهر من قولها ( المحبة خدعة / والحنان مشبوب / لكنني رغم حدة الألم سأستمر في تصديق ما لا أراه ) ويصل الأمر إلي نوع من الدادية من مثل قولها ( كلما قطعته إلتأم / الشريان الذي يصل خياناتهم بدمي / وهذه الديدان / كلما هوت / متخمة بفاكهتي أعدتها إلي الجرح / يدأ تجدد خلايا عزلتها )
يسبح الديوان في جو من الخيال الأسر ولكنه الخيال الذي لا يجنح للأغراق في التعمية والألغاز أو يقترب من المباشرة والسطحية ونجد هيمنة للتشبيه وضألة في حجم الاستعارة والتشبيه في الديوان مظهر لغة الاطفال البريئة التي تعتمد بالأساس علي ربط المحسوس بالخيالي والمادي بالمعنوي ،بدلا من أن تبحث في جدلية العلاقات بين الأشياء إن هيمنة التشبيه يدخل بامتياز­ بوصفه مظهرا التي تجتاح الديوان تلك النظرة التي ترصد التباين (وهو مناط التشبيه )بعيدا عن (التكافؤ ) وهو منبع شاعرية الاستعارة إنها نوع من الخيال الموضوعي (بتعبير نور ثروب فراي) وهو الذي يضع بؤره داخلية من الحس أو العاطفة في المقول الشعري وفي الوقت نفسه يحل محل الفكرة وهو ما وصل إلي أنسنة الخيال (كان الخيال أول من سقط منا/كان الليل أطول من اذرعتنا في العناق) أن هذا النوعية من الخيال هي التي جعلت (الدخان)واحدا من أبطال الديوان (الدخان وطن في الخلاء يتلاشي)وتقول ايضا (من الدخان نولد /وليس من أرحام الامهات كما أوهمتنا العائلة صغارا)