|
صدر مؤخرًا عن سلسلة
"آفاق عربية" للهيئة العامة لقصور الثقافة ديوان "بيت من سكّر" للشاعرة اللبنانية
سوزان عليوان. ويضم قصائد كتبت منذ عام 1994 وحتى عام 2004، وقد صدرت كل منها من
قبل على حدة في دواوين ذات طبعة محدودة، الأمر الذي يعني أننا لا نطالع ديوانًا
واحدًا، ولكننا نطالع تجربة ممتدة للشاعرة تربط فيها خيوطًا جمالية وشاعرية بين
قصائد الديوان "مجموعة الدواوين".
"الليل عادل.. لا يفرق
بين بحر وسماء.. بين عصفور غريب عن الشرفة.. وإنسان غريب عن البلاد.. الليل عادل في
السواد". الغربة والإغتراب تكاد تكون دينًا ومذهبًا للشعراء، ولا يخلو ديوان معاصر
من حديث الغربة. تغترب الشاعرة عن وطنها وعن الذي كانت طفلة: " في الصورة المعلقة
على الجدار.. طفلة تشبهني..
ولولا أنها تبتسم..
لظننتها صورتي"، وتغترب عن محبيها: "كنت تلملم أشياءك.. المبعثرة في حجرة الفندق..
وتجمعها.. في حقيبة سفرك.. حين أردت أن أسألك.. هل لديك.. مكان.. يتسع.. لشيء
صغير؟.. لكنك كنت تشكو.. من كثرة أشيائك.. ومن صغر الحقيبة".
وكما في قصائد شعر
"الهايكو" الياباني تتميز بعض قصائد الديوان بالبساطة الخادعة، والعمق الشفاف
والاحتفاء بالطبيعة وعناصرها، تأتي بعضها قصيرة جدًا وتضم كلمات قليلة تختزل عالمًا
بأكمله: "ناديتني باسمي.. فأحببته" و"زهرة إلكترونية.. تتنهد.. لو يضمني كتاب"
و"كلما حط على كتفه طائر .. تذكر الشجرة التي كانها.. مقعد منسي في حديقة" و"في
الدمعة.. سمكة.. تذرف.. البحر" و"تعثرت بضوئك.. عثرت على ظلي" و"في الوردة التي..
تنبت من قلب التراب.. عطر موتانا". ولعل القصيدة القصيرة الأخيرة تذكرنا بالبيت
الشهير لأبي العلاء "خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد"، لكن الشاعرة
تتجاوز موقف أبي العلاء التقريري الداعي إلى الحكمة مستغرقة في حالة إنسانية تكشف
الحنين إلى الموتى الأحباب.
تأتي بعض القصائد
كلوحات سينمائية قصيرة، مشاهد متحركة تكاد ترى أضواءها وظلالها وتسمع أصواتها: "طفل
محروق الوجنتين.. يهرول.. على الجسور المعتمة.. هاربًا.. من الرماد.. إلى الدخان"،
و"طفلة مبتلة الثوب.. تركض.. من ضفة النهر.. إلى عيني".
وفي القصائد التي كتبت
في السنوات الأخيرة تكاد تختفي ملامح الهايكو والتعبير السينمائي، وتتجه القصيدة
إلى حالة تأمل مسترسل في الموت والتحول والوحدة والاغتراب والخذلان: "رغم هندسة
الحنان في مكعبات السكّر.. أتفكك.. عن خلفية الرموز وأطفال الورق.. عن الزجاج
المغبر في سنوات دهست براءتي.. مثل شاحنات ثقيلة.. قوّست جسور الليل.. بما أسميه
الآن (الوعي)".. "لن أذرف أقنعتي على الطاولة أمامهم.. سأدلق براميل من الألوان
والبيرة.. موهمة أصدقائي بالبهجة .. غناءً خلف أبواب الحمّامات"، و"كل ما حلمت به..
خذلني.. وكأن قدمي الصغيرتين.. مخلوقتان للانزلاق".
يصعب في هذا المقال
القصير عرض الثراء الشعري المركب المتعدد الجوانب الذي يمنحه هذا الديوان "مجموعة
الدواوين"، لكن ربما يشجع المقال على الفضول والرغبة في استكشاف قصائده الجميلة.
|