سوزان عليوان في بيت من سكر

فاروق شوشة - جريدة "الأهرام" 2007/8/12

 

تواصل الشاعرة اللبنانية الاصل العراقية الانتماء المصرية الهوى والروح والدراسة سوزان عليوان‏,‏ صعودها المتألق في أفق الشعر‏,‏ من خلال ديوان جديد يحمل هذا العنوان بيت من سكر ليضيف الي رصيدها من الإبداع الشعري‏(‏ ثماني مجموعات شعرية هي‏:‏ عصفور المقهي‏(1994),‏ مخبأ الملائكة‏(1995),‏ لا أشبه أحدا‏(1996),‏ شمس مؤقتة‏(1998),‏ ما من يد‏(1999),‏ كائن اسمه الحب‏(2001),‏ مصباح كفيف‏(2002),‏ لنتخيل المشهد‏)‏ لسعة جديدة من الحلاوة المرة التي تفيض بها كلماتها‏,‏ والديوان الجديد مختارات من المجموعات الثماني‏,‏ يربط بينها خيط حاد ناعم‏,‏ ووتر مشدود نازف‏,‏ وصوت صارخ مشروخ تنسكب عليه كيمياء شعريتها النافذة إلي عمق الكيان الإنساني‏,‏ في تعاطف من يغتفر الضعف الإنساني‏,‏ لكنه لا يفتقر الكذب او الادعاء‏.‏

 

وددت لو تركت المساحة كاملة لبوح سوزان بدءا بكلماتها الاولي‏:‏ مكانك في المقهي ليس خاليا‏.‏ بعد رحيلك جاء عصفور وجلس في ركنك‏.‏ أتأمله من بعيد‏,‏ مثلما كنت أتأملك‏.‏ وهو يدخن سيجارته‏.‏ ويشرد بعينيه التائهتين في الدخان‏.‏

 

ثم وهي تقول‏:‏ كنت تلملم أشياءك المبعثرة في حجرة الفندق‏.‏ وتجمعها في حقيبة سفرك‏.‏ حين أردت ان اسألك‏:‏ هل لديك مكان يتسع لشيء صغير ؟ لكنك كننت تشكو من كثرة اشيائك ومن صغر الحقيبة‏.‏

 

وصولا الي قولها‏:‏ في الصورة المعلقة علي الجدار‏.‏ طفلة تشبهني‏.‏ ولولا انها تبتسم‏.‏ لظننتها صورتي‏!‏

 

وحين تقول‏:‏ الآن فقط‏.‏ أحسست بمأساة المهرج‏.‏ حين يفرغ دمه كاملا‏.‏ في عروق النكتة‏.‏ ولا يضحك أحد‏.‏ لم أكن أبكي‏.‏ لكن الاصحاب كانوا يختفون في عيني كأضواء السيارات تحت المطر‏.‏

 

وهي تقول‏:‏ تعثرت بضوئك‏.‏ عثرت علي ظلي‏.‏ وصولا الي قولها تحت عنوان حنان بمرارة الحنين‏.‏ من نافذة صغيرة بيضاء لإطارها لون يوم مهمل في المطر‏.‏ أطل علي غربة يديك بحكايات عن مشربيات قديمة‏.‏ حفر خشبها الهواء‏.‏ لوحتها الشمس بسكر محروق‏.‏ كان ذلك في مدينة سكنتي‏.‏ تجاراتها‏.‏ وبيوتها‏.‏ وفوانيسها الملونة‏.‏ أضحك إذ تقول‏:‏ لوكنت أعلم أن اليوم عيد ميلادك‏.‏ لقدمت قلبي قطعة حلوي‏.‏ أبكي لأن حنانك بمرارة الحنين‏.‏

 

أخيرا وهي تقول في أحدث مجموعاتها صدورا لنتخيل المشهد تحت عنوان لنبدأ بالنهاية‏:‏ عاشقان في الليل‏.‏ خائفان كدمعتين‏.‏ في عيني طفل مثقوب القلب‏.‏ وردته مجروحة‏.‏ معطفة علي كتفيها‏.‏ ذراعها حول عنقه‏.‏ يرتعشان بردا وعتمة‏.‏ مثل ورقتي شجرة شبه عارية‏.‏ يحبها وتحبه‏.‏ لكنهما عند نهاية الشارع الطويل سيفترقان‏.‏ انظروا إلي الرسالة التي يسطع طرفها الشاحب من حقيبة يدها‏.‏ انظروا الي المصابيج التي تنطفيء إثر خطواتهما‏.‏ سرب نجوم تتساقط أجنحته‏.‏ سيمضي وحيدا‏.‏ بدموعها الساخنة علي خده‏.‏

 

وستختفي هي عند المفرق‏.‏ متكئة علي ظلها‏.‏ علي حنان كلماته الاخيرة صحبتك الملائكة ياحبيبتي كم أنت قاس أيها العالم‏!‏

 

لماذا يدهشني ـ وسط زحام ما ينهمر علينا من لغو ورطانات ـ أني أواجه لغة نظيفة‏,‏ لا سوقية فيها ولا إسفاف ولا ابتذال‏.‏ وكأن هذه الاوصاف أو المواصفات أصبحت تقصد لذاتها تحت وهم الشعرية والحداثة الممجوجة‏,‏ ولماذا يدهشني هذا العالم الروحي الفسيح‏,‏ الذي يحترق ـ حتي النخاع ـ ويتصاعد منه حرائق روحية هائلة في بيروت وبغداد وغيرهما من العواصم العربية‏,‏ دون كلمة واحدة تشير الي هذا الدمار الهائل هنا وهناك‏.‏ الذات التي تبوح‏,‏ ونظنها ذاتا مفردة‏,‏ هي الجمع المحتوي مأساة العالم وتراجيديا الانسان العربي‏,‏ دون زعيق او مباشرة او خطابية‏.‏ سوزان عليوان مسكونة بهذا الرعب الوجودي والشتات الكوني دون صراخ‏,‏ دون التفات الي ظواهره الخارجية هدما وتدميرا واحتراقا وقتلا وتصفية وإفزاعا‏.‏ لكنها ـ في صعودها الي أفق الرؤيا الشعرية ـ الكاشفة ـ تكثف الخبرة اليومية‏,‏ وتنقيها‏,‏ وتجعل منها مداد الكلمات النازفة وهي تلاحق اختفاء ابتسامة طفل أو ذبول شجرة ورد أو تطاير عطر كان يغمر المكان‏,‏ هنا‏,‏ يكمن الغوص في الأعماق‏,‏ من خلال قدرة شعرية مغايرة‏,‏ لا تساير ولا تقلد ولا تنزلق إلي ما يتباهي به غيرها من منجزات وادعاءات هي خارج الافق الشعري‏,

وخارج النسيج الشعري الحقيقي‏.‏ تقول سوزان‏:‏ لا أعتقد أن المقهي المهدوم سيعود الي ما كان عليه‏:‏ قش السقف والجدران‏.‏ الحبال الملونة وتلك الجمعة المفككة رغم الجلسات التي توحدنا وغابة النراجيل‏.‏ أغمض‏.‏ ما عاد ممكنا ان استعيدها أما ليتمي‏.‏

 

هل هي مجرد شجردة تلك التي تتحدث عنها سوزان؟ هل هي بيروت؟ هل هي المدن العربية التي أصبحت تتنقل بينها من غير استقرار او قرار بالاستقرار؟ هل؟ وهل؟ بيت من سكر مجموعة تلخص لنا مسار شاعرة حقيقية‏,‏ غير زائفة او مدعية‏.‏ تدرك بوعيها طريقها ورهانها‏.‏ وتفرز عسلها كلما توهجت بالمعاناة‏,‏ واشتعلت بالحرائق‏.