تروم الشاعرة، عبر
هذا الأسلوب، كسر حدة الألم، بل السيطرة عليه، جاعلةً منه مادة افتراضية، بل مادة
غير حنينية وغير عاطفية، أو – اختصاراً – غير بشرية.
وما أشدَّ تأثير
العالم الافتراضي على حياتنا وعقولنا وتورُّطنا فيه، حتى بات جزءاً من لغتنا في بعض
الأحيان. تقول عليوان: "أفترضُ فضاءً وأدخلُ / أدخلُ احتمالَ المكان / المكان الذي
لا يتَّسعُ لشجرةٍ / لطائرٍ / لراحةِ يد." كيف لا تتساءل حول معنى المكان وقد أضحى
صورة على الشاشة، نراها ولا نقبض عليها. إنها صورة المكان، لا المكان بذاته،
مما يجعله عاجزاً عن احتواء ما أتت عليوان على ذكره. يُحزِنُها ضياعُ الكثير من
أشياء الدنيا التي نشأنا وسطها وألِفْناها، زوالُها كي تصب في اللا–مكان. لذا نراها
تكتب في محطة أخرى: "رغم المفاتيح المتناسخة / لا تتلامسُ أصابعُنا / والعيونُ من
زجاجٍ / لا ترى، / فقط تحلمُ." وأيضاً: "الأرضُ بلغَتْ هاويتَها. / ما عادتْ
أمامَنا طُرُقٌ، / والوقتُ الذي بحجمِ دمعةٍ / أقل ممَّا نحتاجُ / كي نموتَ /
مُبتسمين". الإشارة التي ترافق هذه القصيدة الثانية هي الساعة الرملية. هنا يختفي
السهم كعلاقة اختتام، وقد بلغنا الصفحة الأخيرة. إذن، بحسب الصورة، توقفت الساعة
كأنما "الأرض بلغت هاويتها"!
لا شك في أن
إشكالية المكان–الزمان تشغل سوزان عليوان، على طريقتها، مستقلة، في الوقت عينه،
مدركة فعل الكتابة. وبالعودة إلى القصيدة الأولى، نقع على مفاتيح المكان، ونرى كم
أن الصدمة عميقة، تلامس الهذيان لفقدان هذا المكان واستبدال عملية التناسخ
والافتراض والعيون الزجاجية به.
هنا تلحظ الشاعرة،
في مرارة، أننا بتنا في عالم الوهم، حتى توهَّمْنا أننا نرى. ويظلُّ هذا العالم
الجنوني كثيف الحضور: "لنفترضْ زمناً لا يهربُ من الزمنِ / مكاناً لا يخاف من
المكانِ / بشراً جميلين / طينُهم ماءُ عيني / مذروفاً / في غُبارِ ضحكاتِك. /
لنفترضْ حياةً أخرى / خارجَ الجسدِ / وأبعدَ من الروح / ولنفترضْ / أنَّها نافذةٌ
ما". جليٌّ تأثيرُ العالم الافتراضي على الشاعرة؛ ولغتُها لا تنشد خلاصاً من هذه
المفردات المتصلة به. تستعمل مفردة أو فعل "لنفترض" غير مرة، فضلاً عن لجوئها إلى
كلمة "نافذة" التي ندرك خلفيَّتها المرتبطة بـ"نوافذ" مايكروسوفت.
في ذروة الصدمة
تتساءل سوزان عليوان حول فرضية أو حقيقة الزمان والمكان والجسد، بلوغاً إلى تخيل
معنى "حياة أخرى"!