|
"مصباح كفيف" هو عنوان كتاب الشاعرة اللبنانية سوزان عليوان الاخير بعد "كائن اسمه
الحب" الذي شكّل تجربة فريدة من نوعها من حيث تكثيف المعنى الشعري وظهوره في كلمات
معدودة هي قصائد. عُدّلت التجربة في "مصباح كفيف". حرّكتها خيبة اصابت الشاعرة التي
كانت قد استسلمت في "كائن اسمه الحب" للحظات قصيرة من التفاؤل ومن رؤية الحياة
باللون الرمادي. المصباح الذي تتحدث عنه سوزان في كتابها الاخير "هو جهاز
الكومبيوتر"، وهو ايضاً، تقول سوزان "فانوس تلقّيته هدية من صديق ريفي. وضعت
الفانوس في غرفتي ثم اعتدت ان انام وانا اسمع صوته وآنس بضوئه". ويشبه وصف الشاعرة
لفانوسها وصفها لجهاز الكومبيوتر، الذي ألهمها كتابة قصائد "مصباح كفيف" وساعدها
على ايجاد الشخص الذي يستطيع ان يشكّل محور هذه الكتابة. "يشبهني هذا الكتاب الى
ابعد الحدود"، توضح سوزان، و"ربما كان الكتاب الاقرب إليّ من بين ما نشرته من كتب
حتى الآن. فقد كنت، في قصيدة الغرفة والشتاء مثلاً، تماماً كما ورد في الكتاب. قد
اغلقت على نفسي في غرفتي خلال شتاء بيروت القاسي احياناً. واردت ان اسجّل لحظاتي
تلك، لكنني لم استطع ان اكتبها شعراً. وعندما كتبت لنفسي دون ان افكر في انني اكتب
الشعر، اكتشفت ان ما كتبته قصيدة".
يساوي حجم غلاف كتاب سوزان حجم شاشة جهاز الكومبيوتر، الذي تستخدمه، مصغراً. اما
النافذة التي تطل من غلاف الكتاب، فهي النافذة الاكلترونية (وندوز)، حسبما تقول،
وربما بحثت سوزان عن كتابة ما ارادت ان تسميه "القصيدة الالكترونية"، فسوزان مفتونة
بهذا العالم الافتراضي الذي نعيش فيه عزلتها وحريتها.
وتمضي الشاعرة، كما يظهر في قصائدها هذه، وقتاً طويلاً في غرفتها جالسةً امام شاشة
الكومبيوتر التي تخرج عبرها الى العالم كله حيث الاصدقاء "افتراضيون" لا يستطيعون
الاذى الحقيقي الذي يواجهنا به من نراهم حاضرين بأجسامهم ووجودهم الكامل في حياتنا.
تستكشف الشاعرة نفسها عبر علاقتها بالآخر، الذي يجلس بدوره امام شاشة الجهاز، وهي
في هذا الكتاب في مكان ما بين الخاص الشخصي والعام الشامل. فيظهر الخاص في شكل
علاقة حب الكترونية، تسمح بإعادة اكتشاف الذات وحاجاتها. الا ان سوزان لا تبتعد عن
الانشغال بالهم الانساني اي بالعام الشامل، وان كان هذا الانشغال غير متوقع من
شاعرة تنتمي الى الجيل غلب على ابداعه الانشغال بالتفاصيل اليومية وباللحظة
الواحدة. تعيش الشاعرة خيبة سببها الاحداث الدموية التي يشهدها العالم وردةً فعل
البشر تجاه ما يرتكبونه من جرائم في حق انفسهم. في قصيدة كوكب احمر تكتب:
"القارات
القلوب
قبائل من القتلة والقتلى".
وتسأل الشاعرة نفسها عن معنى الحب والفرح في اوان الحزن، لكنه موقف يدل على انها ما
زالت تتمسك بنوع من الامل في تناغم بين ما يدّعي البشر حاجتهم اليه من عواطف حب
ورضا عن النفس وفرح وبين الحياة التي يعيشونها. غريب ان لا تفصل الشاعرة بين وجعها
ووجع العالم من حولها، ففي قصائدها غضب يختلط بشفافية طفلة ومرارة يخالطها حنان ام.
تبدو الشاعرة وكأنها لا تثق الا بالطبيعة في الخارج وبكائناتها الالكترونية في
الداخل حيث تنفرد بالشاشة. اما عالمها، فمؤلف من جدران وآلة، لكن اشياء هذا العالم
الاخرى تبدو متناثرة ومفككة، كأنه عالم من "كرتون". لكنها في هذا العالم تستطيع ان
تحلم دون ان يسخر منها الآخرون وان تتخيل بيتاً تعيش فيه مع الآخر بعدما تتخيل
آخراً تحبه وتكتب له.
"كل شيء مستعار هنا.
الجدار والنافذة،
ظلال السقف،
الباب الخادع بين فراغين
اسمي ودمعة مصباحك".
* * *
لنفترض انها جذور
هذه الاسلاك الممتدة
من قلب الآلة
الى عروقنا.
يستطيع القارئ ان يفهم القصيدة دون ان يفك لغز علاقة الشاعرة بالآلة (الكومبيوتر)،
فقد استخدمت الشاعرة لفظة مفاتيح مثلاً، ترجمة لكلمة Keys الانكليزية (كيبورد)، وهو
المفتاح الذي يشكل جزءاً من لوحة جهاز الكومبيوتر. لكن لفظة مفتاح تقودك ايضاً الى
فهم القصيدة عبر اللجوء الى معناها اللغوي. في هذا العالم الافتراضي الذي تفتح
الآلة ابوابه للشاعرة، لكل من اشخاصه اكثر من اسم، ألف اسم ربما او اكثر. يستطيع
هذا العالم ان يكون وطناً يحلّ محل الوطن/ الخيبة. ويبدو العالم عبر الآلة، وهو
ايضاً عالم الآلة، كبيراً جداً، حتى ترفض الشاعرة حصره في ثنائية الخير والشر او
الليل والنهار...
"لسنا عاشقاً ومعشوقاً
وليست الارض
يابسة
ومياهاً...".
|