سوزان عليوان تظاهرة ليلية بمصباح كفيف: كثافة للسؤال الانساني ونصوص غير منتمية

يحيى الأمير - جريدة "الرياض" 2002/9/2

 

مَن أنتِ؟
مفتاح فقد بابه.
كل شيء لدى سوزان عليوان هو نص، الديوان نص، والكتاب كترتيب ورقي عبارة عن نص، سوزان عليوان نص آخر كذلك.
مصباح كفيف هو آخر مجموعتها الشعرية وقد صدر مؤخراً عن مؤسسة دار الريحاني على هيئة كراسية مستطيلة كدفاتر الرسم مما يعمق الشعور بنية سوزان لتشكيله كأحد مظهر النص الذي تكتبه: النص المحتفل بالطفولة والخريشات والألوان وقد حوت المجموعة تسعة عشر نصاً/مقطوعة تلح جميعها على البعد الاختزالي الذي يلحظ حين نقل المفردة والارتحال بها من سياقها النثري السائد الى السياق الشعري الجديد الذي لا زال يؤسس معجماً ترفده تجارب متنوعة تمتد منذ ظهور هذا النوع الكتابي وبدايات تشكّله.
تلحّ سوزان عليوان على المفاجأة والدهشة اللغوية التي تقوم على تقنية تتقشف بلاغياً في حين تتوسد ذاكرة بسيطة تقوم بالعبث بأطرافها واحالتها من الحالة الكيمائية التي لها الى حالة جديدة:
- من مقعد ما في الأقدم
أحدق في وهمي
عابراً من الرمل
الى غبار الزمن
على عكاز من أنين النايات 56
ولعل مما يمكن الاصطلاح عليه انه احدى ثيمات الشعرية النثرية اتصالها الواضح بأبرز اركان التقنية البلاغية القديمة المتمثلة في التشبيه ذلك الذي شغل معلماً على خارطة النص القديم... وهو قائم الآن داخل النص النثر مع تفريغه من الشرط البلاغي الذي التزم به قديماً وذلك على غرار ما هو عند الماغوط في العديد من نصوصه وبخاصةً في: حزن في ضوء القمر، غرفة بملايين الجدران.
وتستثمر سوزان عليوان هذه التقنية مع بحث دائب عن شيء من النقاء خاصة بعد ان كادت هذه الشيمة تتحول الى نمطية داخل قاموس قصيدة النثر:
الارواح ايضاً ضاقت
كأحذية قديمة
لأن البياض مربك كوطن عار
سأبني في هذه البقعة من الفراع بيتاً صغيراً من خشب ملون.
بعض نصوص المجموعة تأتي على شكل مشاهد شعرية ملونة تنفح بعداً مضمونياً واحداً يتحققه النص بأكمله في الحاح على البعد المشهدي كمخرج رئيس عن النص من خلال عناصر تكون ذلك المشهد/اللوحة فنص مثل (كوكب احمر) هو عبارة عن لوحة حورت لغة مع امكانية ان يستثمر الفضاء التخييلي الذي يقوم عليه النص في بعث لوحة ثانية ناتجة عن النص... وهكذا في عملية شبه دائرية.
عنصر آخر استثمرته مقيدة النثر منذ مطلع نماذجها وشكل ملمحاً بارزاً عند العديد من كتبة هذا الفن يتمثل في استثمار تقنية العطف النحوية وتحويلها الى جسر للدهشة وغير المنتظر من خلال ايراد الواو كعاطف بين بعيدين غير منتظمين في سلك ولعل في نصوص محمد الماغوط وخاصة في مجموعتيه سالفتي الذكر ما يمكن الاستشهاد به على هذا.
وتستثمر سوزان عليوان مثل هذه التقنية وبتفرّد مثير من خلال ايراد العطف شاطراً لجمل ما تؤدي الى فزع في اطراد الصورة وعدم اتساقها الا شعرياً وبالتالي خلق لحظة شعرية:
في عينيك انها جارحة
من صراخ وتعب
وامطار قانية
في ضجر شعري واضح لا تحتفل سوزان عليوان بالعناوين ولا تعوّل عليها ككتلة نصيةً اولى فغالباً ما تكون عناوينها جملاً او تراكيب مخبأة داخل النصوص الا ان الفاعلية تختلف في الحالين فقد تؤدي نفس الجملة لحظة استهلالية للنص ثم تتحول عبر تكسر مجازي الى جملة يقفل بها النص او المقطع يظهر هذا في النصوص مثل: وردة الحوامس، حيث لا ظلال.
يكاد يكون القاموس الذي بالامكان اكتشافه من قراءة نصوص عليوان منتمياً الى ما افرزته شعرية قصيدة النثر. عدا ان ابرز ما يتسم به معجم الشاعرة تفريغ جزء كبير منه من التعينية لاتجاه مضموني بعينه حتى تترك الجملة بشكل مفتوح... داخل نص مفتوح:
كل شيء مستعار هنا
الجدار والنافذة
ظلال السقف
الباب الخادع بين فراغين
اسمي ودمعة مصباحك (20)
الشاشة الباردة
دمع نجوم بين اسمينا... تجمد
فالشاشة الباردة هنا تتحرك بشكل مفتوح غير مبوصل باتجاه دلالي معين مما يجعله معتمداً على التعدد القرائي منذ وضعه وهذا تهجس الجملة دائماً بالاكثر والمختلف الذي تكثفه الملازمات المابعدية للجملة/المفتاح، والتي تبتعد عن وصف السابق الى محاولة تعريفه وفق رؤية شعرية تحددها اللحظة والسياق.
النصوص التي تقدمها سوزان عليوان في هذه المجموعة غير منتمية الى تصور الجنس الكاتب ونحوه مما كثف البحث عنه في بدايات النهضة واوائل سؤالات الحداثة، فالنصوص لا انثوية ولا منكسرة ولا خجولة انها نصوص تلح على البعد الانساني واسئلة الذات الانسانية:
اللحن يفضح عازفه
وللمفاتيح دائماً ابواب
لك ان تحكم النافذة
ان نهش جناح الروح كذبابة
تستفيد النصوص من تقنيات فنية متداخلة الآن منفصلة ابان البحث عن نقاء الجنس الادبي من ابرزها التقنية السردية التي تحفل بها بعض النصوص كصوت استهلالي يظهر فيه المكان كأحد ابرز العناصر المشهدية:
- افترض فضاء وأدخل
أدخل احتمال المكان
- من نافذة صغيرة بيضاء
لإطارها لون يوم مهمل في المطر
أطلّ على غربة يديك
- شتاء قديم
وغرفة بشحوب الدمعة
تطاير في رعشة جدرانها فراشات سود.
من الجديد والملفت في هذه المجموعة محاولتها دمج الورقي بالالكتروني من خلال الاستعانة ببعض الاشكال والحركيات الحاسوبية في محاولة للاستفادة منها وتوظيفها شعرياً كالسهم المتحرك والساعة الرملية.
سوزان عليوان ورذاذ مرعوب من تدفقة تؤثث أمكنة بعدد أسمائها هي اسم مرادف للشعر ذلك القادم في هوية وانتماء وحلقية ثقافية تفتح طرقاً غير متناسخة لنص عربي جديد.