سوزان عليوان.. كائن اسمه الحب

سعدية مفرح - جريدة "القبس" 2002/3/4

 

مثل الكائنات التي اسمها الحب تبدو الشاعرة اللبنانية الشابة سوزان عليوان.. لا تشبه أحدًا سوى تلك النصوص التي تتماشى مع السائد رغم أنها لا تتقاطع معه.

"كائن اسمه الحب" كتابها الأخير الجديد.. وهي تهديه إلى مجموعة من الأصدقاء الذين تسمّيهم واحدًا واحدًا وترسمهم كائنات طريفة وشفيفة لها من الخفة ما يجعلها تطير على هوامش النص ولا تنحني.. وتهديه أيضًا "للبنت التي لا تفهم كيف يحب الإنسان عصفورًا أو فراشة أو زهرة". ووفقًا لهذا فهي تهديه في الواقع لكثيرين ما زالوا يضحكون من فكرة أن يعشق الإنسان عصفورًا أو فراشة أو زهرة، أو حتى ذراع كرسي، وحقيبة مدرسية أو فنجان قهوة أو محطة انتظار الباص أو مصعد.. مجرّد مصعد يحمل الذاهبين من إلى طابق إلى طابق في مبنى جريدة مثلاً!.

سوزان عليوان تغرّد بلحنها الارتجالي ضمن سرب لا يسمح كثيرًا إلاّ للصوت الكورالي المنتظم.. لكنها تغرّد وتغنّي وتطير.. وتكتب شعرًا لا شبه سواها.. وكأنه كائن اسمه الحب.. أليس الحب تعريفًا إضافيًّا للشعر في محض إخلاصه لذاته؟! أليس الشعر عشقًا خرافيًّا للكلمات الذاهبة في فرادتها إلى أفق السحر والدهشة؟!

تندرج نصوص سوزان عليوان في كتابها الأخير في خضم الشعر، رغم أنها تراوح ما بينه وبين الدهشة بأشكال تعبيرية رسمتها سوزان ليس تزيينًا لنصوصها الصغيرة المقتصدة وليس شرحًا، بل احتمالاً جديدًا لها.. فالرسوم الذكية التي تبدأ من الغلاف إلى الغلاف مرورًا بكل صفحات الكتاب الصغير، تصير احتمالات شعرية لا نهائية للكلمات التي تأتي على هامشها، تصير الهامش أحيانًا وتذييلاً لمتن الكلام، وتصير المتن لهامش من شعر.

تقول سوزان في حوار صحفي أجري معها بمناسبة صدور الكتاب: "ليست الرسوم زخرفة في الصفحة ولا هي ملء للفراغ ولا هي شرح للقصيدة. كما أن الرسم ليس هو القصيدة، بل جزء من النص، جزء من الشعر، فلم لا يكون اللون شعرًا، خصوصًا أننا نسمّي الصورة في القصيدة لوحة؟!".

وتبدو سوزان في نصوصها المقتصدة لغويًّا، حتى لا نقول القصيرة أو الموجزة فنقع في شرك ذلك التصنيف البغيض لدهشة الشعر وفيوضه اللانهائية، تبدو معنية بتلك "الكائنات" المركونة على هامش الاهتمام خارج إطارها الإنساني وغير الإنساني، مثل شريطة في شعر طفلة تحلم بأن تكون فراشة، وفراشة تحلم بأن تكون شريطة في شعر طفلة، طفلة تحلم.. فقط تحلم.. أو مثل مقعد منسي في حديقة كلما حط على كتفه طائر تذكّر الشجرة التي كانها، أو مثل نغمة تعاتب الناي: "لمَ لمْ تتركني مع العصفور؟"، أو مثل جسر قديم يوبّخ قوس قزح: "لا تغتر يا إبني بهذه الألوان.. كنت أنا مثلك".. أو مثل خفّاش يسأل الليل: "لماذا أنت قاسٍ هكذا يا ابي؟" أو مثل زهرة الكترونية تتنهّد: "لو يضمّني كتاب" أو مثل فنجان حزين جدًّا لأنه لا يستطيع أن يحضنها فيما تقبّله وله ذراع واحدة.