"كائن اسمه الحب" سيرة ذاتية لشاعرة

فارس سعد - مجلة "حريّتي" 2001/12/9

 

يأتي الديوان السادس للشاعرة سوزان عليوان ةالذي يحمل عنوان "كائن اسمه الحب" في الترتيب الملائم تمامًا بعد دواوينها الخمسة السابقة. مرحلة جديدة وتجربة مختلفة لرحلة الشاعرة في الحياة ووجهة نظرها الخاصة مع كل مرحلة في حياتها. بل أن المتتبع لتجربتها يرى بوضوح هذا الترابط القوي بين دواوينها الستة، لكونها تعبّر عن حياتها نفسها، فقد سجّلت في جميع دواوينها ما يشبه أو يقترب من السيرة الذاتية، وتتجلّى هذه العلاقة القوية بين دواوينها، في الديوانين الأخيرين "ما من يد" و"كائن اسمه الحب". فبعد أن جسّدت الوحدة القاسية كحقيقة واضحة، وواقع مؤلم في حياة كل إنسان، وكل كائن كتبت عنه في ديوان "ما من يد" حتى القصيدة التي كتبتها عن نفسها وأتت في نهاية الديوان، كانت تجسّد حالة الوحدة التي تعاني منها.

يأتي "كائن اسمه الحب" ليعبّر عن حالة أخرى، بعد الوحدة القاسية في "ما من يد" وهي حالة الحب التي يتوافر فيها طرف آخر، يمد يده بكل قوّة إلى الطرف الآخر، ولكن أي حب تتحدّث عنه الشاعرة؟ وما هو الطرف الآخر في هذه العلاقة؟ رغم صغر حجم الديوان وقلة عدد صفحاته، وقصائده الوجيزة جدًّا، فإنك تستمتع مع كل قصيدة بحالة مختلفة من حالات الحب، وترى صورة فريدة له، وتتعرّف على مخلوقات ربما لم ترها من قبل في هذه الحالة من الحب.

في "كائن اسمه الحب" تريد الشاعرة الحديث عن الحب ككائن جميل، عظيم، رائع، ومن خلال قصائدها ترسم لنا بعض صور هذا الحب التي لا يمكن الإحاطة بها، وتحاول أن تقرّبنا أكثر وأكثر من هذا الكائن، عن طريق رصد بعض صوره العميقة الدلالة، المليئة بالمعاني التي لا حدود لها، وقد أجادت رصد هذه الصور التي تعبّر عن الحب، وتقرّب معناه لنا، بداية من عنوان الديوان الذي جاء موفّقًا عندما وصف الحب بمجرّد كونه كائنًا، بدون تحديد أو مواصفات، فالحب لا يمكن تحديده بمعانٍ أو صفات، فقط حاولت سوزان أن ترسم لنا بعض صوره الجميلة، وعلينا بعد ذلك أن ندركه، ونتفاعل معه مل حسب شخصيته ومشاعره.

في "كائن اسمه الحب" أرادت الشاعرة أن تنتصر لهذا الكائن العظيم، والمعنى النبيل، والشعور الجميل، وأن ننتصر مثلها لهذا الكائن ونشيعه بيننا، ونبحث عنه حتى فيما يبدو أنه قبيح، مثل تلك الفتاة التي تتحدّث عنها في أول قصائد الديوان، وتصفها قائلة:

تضيء عريها

بنجوم ورقية

كالتي في دفاتر الأطفال،

بنت ليل.

رأت الشاعرة المظهر العام لبنت الليل والذي يعلن عن سلوكها ومهنتها بعين الإنسانة المحبّة التي تنفذ بعمق إلى جوهر الأشياء، فشاهدت طفولة وبراءة بنت الليل هذه، والتي أصبحت على ما هي عليه بسبب فقدان الحب، والقصيدة رغم قصرها الشديد وعدد كلماتها القليل تحمل من معانٍ وصور ما لا حدود له، وتستدعي وتثير تجارب وأحداثًا من الحياة لا نهاية لها، لأن القصيدة أخذت روح وجوهر كلمة الحب، التي هي مجرّد كلمة ولكن هل نستطيع أن نقول بمعنى محدّد للحب أو الإشارة لحالة بعينها هي فقط  التي تعبّر عنه؟

هكذا كل قصائد ديوان "كائن اسمه الحب" وإن اختلفت صورها، وتعدّدت أطرافها، تجدها تحمل أعمق وأرق المعاني الجميلة، وتتعرّف من خلالها على مخلوقات في حالة حب فريدة ينتقل أثرها إلى مخلوقات أخرى تهفو أيضًا إلى حالة الحب وتجسّد هذه الحالة قصيدة تقول:

تعلّم الرقص

لقطّتها

خلف النافذة

كلب ينبح:

"وأنا؟"

وإذا كانت الوحدة هي واحدة من أبرز معالم قصائد سوزان عليوان إلى جانب الحزن والفقد والغربة والألم في دواوينها الخمسة السابقة فهي لم تختفِ نهائيًّا في ديوانها السادس الأخير. رغم وجود هذا الكائن العجيب الذي اسمه الحب، فقد بقيت بعض حالات الوحدة والألم والحزن والحنين إلى أيام وذكريات ولّت، مثل حالة هذا المقعد الذي تقول عنه:

كلما حطّ على كتفه طائر

تذكّر الشجرة التي كانها

مقعد منسيّ في حديقة.

وتواصل الشاعرة تميّزها في واحدة من أهم سماتها كشاعرة وهب اضفاؤها الصفات الإنسانية على الكائنات التي نصفها نحن بأنها غير عاقلة، بل أن هذه السمة تتجلّى بشكل آكثر عمقًا  وأقوى تأثيرًا في قصائد "كائن اسمه الحب" تقول:

فنجان حزين جدًّا

كيف له أن يحضنها

فيما تقبّله

وله ذراع واحدة؟

الحب هو الكائن الذي ضمته قصائد الديوان قليلة العدد والكلمات فأضفى عليها كل هذا السحر والجمال. أما براعة الشاعرة وموهبتها فقد تمثلتا في اختيارها لتلك الصور الجميلة من علاقات الحب، ومخلوقاتها المتميزة، وتعبيرها عنها بأقل الكلمات وأدقّها، والتي تتناسب تمامًا مع كل الحب التي أرادت الشاعرة أن تجسّدها لنا بقوّة، وتغرسها في نفوسنا كمعنى عظيم وجميل، فقط أرادت أن تكون البداية هي معرفتنا أوّلاً بالحب والتمسّك به.

أما التفاصيل والحالات المختلفة لهذا الكائن فقد اختارت الشاعرة صورًا قليلة، وكلمات أقل لتقدّمه لنا من خلالها، وكما أن اسم هذا الكائن يتكوّن من حرفين فقط ولكنهما يحملان من المعاني والمشاعر ما لا حدود لهما. كذلك كانت قصائد الديوان على قلّتها وقصرها، تحمل الكثير من المعاني التي لا حدود لها، وهنا شيء يحسب للشاعرة تجاه من قد يأخذون على الديوان قلّة قصائده وكلماته.

وإذا كانت مشاعر الوحدة والألم والفقد التي ميّزت دواوين الشاعرة السابقة قد توارت في ديوانها الأخير، أمام هذا الكائن العظيم الذي اسمه الحب، وإذا كانت الشاعرة في هذه المرحلة من رحلتها مع الشعر والحياة وبعد تجارب كثيرة من المعاناة والألم، قد اهتدت إلى الحب ككائن تتمسّك به وتواجه به الحياة والكائنات الأخرى وتدعونا لمعرفته بعمق وأن نلوذ به، فنحن نترقّب تجربتها المقبلة من خلال ديوانها السابع لنرى ما الذي فعله هذا الكائن، وما أشاعه بين الكائنات الأخرى.