|
بعد
"شمس مؤقتة" لسوزان عليوان، تأتينا الشاعرة اليوم بمجموعة جديدة تزداد فيها رونقًا.
تجدر
الإشارة قبل كل شيء، إلى مهارة عليوان في وضع الصورة، مما يشير إلى عمق الحالة
الكتابية لديها، فالمهارة لا تأتي من فراغ. سوزان عليوان شاعرة حقيقية في كل ما
تحمله الكلمة من معنى إذ لفتت منذ كتابها الأول الانتباه. لها فضاؤها الخاص، وكأنها
نظيفة من أي ذاكرة، ومكّنها ذلك من أن تكون شاعرة مختلفة، بل شاعرة فحسب.. شاعرة
جديدة، مستقلة، نضرة، واثقة، وثيقة العلاقة بما تكتب. تنشر مجموعتها وتمضي إلى
عزلتها. سوزان عليوان صامتة في وجودها، صاخبة في شعرها، فهي "الكائن" ال1ي يدعى
شعرًا أصيلاً حيث لا غش ولا خداع. وهي جريئة لأنها تخرج دائمًا على القاعدة وعلى
المألوف. وتعاكس التيار ولا تخضع للمقاييس الرائجة أو الشعارات.
حضرت
عليوان منذ قصائدها الأولى قبل سنوات في جرأة وثبات، وكانت لكتابتها ملامحها
الخاصة، المتميزة.
فرادة عليوان وجدّتها في خروجها المستمر على القاعدة، بدءًا بـ"قاعدتها" هي، فلا
تركن حتى إلى اللغة التي تألّقت بها في الكتاب الأول، بل تمضي إلى مناطق أبعد، في
هاجس التحوّل ونقض ما سبق. وإذ طفى على عملها الأول جوّ من التوهج الشفاف وأثبتت
اللغة خصوصيتها، ففي كتابها الأخير هذا تكرّر عليوان فجائية صنعتها الشعرية عبر
الشكل الذي أرادته للغة. نراها تلبس قصائدها، كتابة وإخراجًا، حلّة لم نألفها قبل
اليوم. فالرسوم الطفولية، هندسةً وتلوينًا، التي تزيّن القصيدة والورقة الداخليّة
والغلاف، تدلّ على نمط جديد اتبعته الشاعرة لتشق لنفسها طريقًا خاصًّا فريدًا. وهذه
الطفولية الظاهرية تشهد للتحول الجذري في النظرة إلى الإنسان وإلى الحياة. طفلية
ليست سوى انعكاس للذهنية الجديدة والمختلفة لدى الجيل الحالي، والسذاجة الخارجية هي
الوجه الآخر لرغبة الشاعرة في تحدي الخيبات. لكنها أيضًا، وفي الوقت نفسه، سذاجة
أرادتها الشاعرة عنوة، وبحثت عنها، لا لتقع في سهولة ما أو في رخاء ما، بل لتخرج من
متاهات الصعوبة أو الغموض التي درجت بين الثمانينات وأوائل التسعينات. أرادت سوزان
عليوان صوتًا جديدًا، حديثًا، في الشعر، فأتت بقصيدة حرّة من أي ذاكرة ومن أي تأثير
فدخلت عالمًا مختلفًا لناحية الرؤية إلى الأشياء البشرية ولناحية تلقّيها والتعبير
عنها. "تضيء عريها بنجوم ورقية كالتي في دفاتر الأطفال. بنت ليل"، "شريطة في شعر
طفلة تحلم بأن تكون فراشة، فراشة تحلم بأن تكون شريطة في شعر طفلة، طفلة تحلم"،
"نغمةتعاتب الناي: لمَ لمْ تتركني مع العصفور؟"، "بدموعها تمسح البلاط، تمزجها
جيّدًا بالصابون، سيّدة البيت لا تحتمل غبار الحزن"، "خفّاش يسأل الليل: لماذا أنت
قاسٍ، هكذا، يا أبي؟". كلام بسيط، أو يبدو بسيطًا، لأن القصيدة لا تبحث عن أكثر من
البقاء على حافة الفكرة وعلى عتبة القول. فالقصيدة لدى عليوان لا تبحث عن أكثر من
فتات الحالات وأشباهها، ولا تروم أكثر من هامش الكلام، فالمعاني كلها أضحت هامشية
في العصر الذي نشأت فيه الشاعرة والذي ما فتئت تعيشه. وبالتالي، لم تبق الحالة التي
تمارسها تحتمل التأمل ولا الطاقة ولا التعبير التي درجت سابقًا، فنراها تعالج الحب
من بعيد، في هدوء، وفي بساطة قصدتها عنوةً للتخفيف من وطأته.
"كائن اسمه الحب" تعنوِن قصيدتها لتظل بعيدة عن مآسي الحب، بل لتظل خفيفة من وزن
الجرح الذي يسبّبه، ومن وزن المعاني والفخاخ والهاويات التي يوقعنا فيها. وليس
العنوان وحده يرمي إلى الخفة المتعمدة، بل القصائد، كما رأينا، تنطوي على جوّ من
الرغبة من التفلت من الموروث للانطلاق في حقول نضرة لم تستنفذها الكتابة الشعرية
بعد. موجزة، هادئة، بسيطة، مقلّة لكن غير مقتضبة وغير مكثفة رغم إيجازها. كما أشرنا
آنفًا، قاطعت عليوان مع السابق وأوهامه وهمومه، تخلّصت من رواسبه، تحررت من معانيه،
توجز لتبدّد السلطة اللغوية السائدة.
سوزان عليوان تأتي بقصيدة جديدة وتعلنها في صمت وثبات، وتعمل عليها في ثقة وعمق، إذ
دخلت عصرًا جديدًا في الكتابة حيث انقلاب لمفهوم القصيدة ولركائزها. |