|
سوزان عليوان، الشاعرة اللبنانية المقيمة في القاهرة، تقتصد في ديوانها "كائن اسمه
الحب" (إصدار خاص) من الكلام أو تكتب شعرًا يتجاوز مدى اللغة، يفيض عنها بصور تلمع
في المخيّلة بمعان كثيرة، أو هي تحيل القارئ بهذا القدر أو ذاك إلى نقطة المفاجأة
والانبهار أو الصمت من أجل استقراء الطاقة الكنائية التي تلمع بها الكائنات الشعرية
في الديوان.
كائنات سوزان قبسات كنائية تذكّرنا بلوحات خوان ميرو الذي سبق أن اختارت الشاعرة
إحدى لوحاته غلافًا لديوانها "ما من يد" أو هي قبسات شعرية تتجاوز اللغة مقطرة
ومكثفة ومتأثرة بعض التأثر بمناخات وديع سعادة وغريزته الشعرية، كأن تحيل الكتابة
الشعرية إلى اللامنظورية المشعة المفاجئة، من خلال ما توحي به من معانٍ، وهي تقبض
على حبر المعاني وتناجيه من عمقه.
"كائن اسمه الحب" لسوزان عليوان، قد يطرح هذه الأسئلة: ماذا تراه يكون هذا الكائن،
أو من أين يأتي؟ وهل الحب من المسميات أو أنه قد ركل الكائنات؟ أحسب أن الحب عند
الشاعرة هو الحب وغريزته، فالقارئ معها يحب الشعر والتماعته، الشعر إذ يعود إلى
نفسه، ويتجاوز مفهوم اللغة وينطوي عليه في ثناياه. وإذ تبدو العبارة كائنًا، أو
عصفورًا أو فراشة، يبدو حجم الديوان صغيرًا أو قطعة صغيرة ويصل عدد صفحاته إلى 34
فقط. وإلى جانب الشعر، يضم الديوان رسومًا مثل رسوم الأطفال، هي للشاعرة نفسها، أو
من إمارة إنتاجها الطفولي. وهي لا توقّعها مكتفية بالإشارة إليها في مفتتح الديوان
بالقول: "كائنات رسمت نفسها". الكائنات إذ ترسم نفسها (وهي زهرة، فراشة، عصفور) فهي
ترسم مدلولها من خلال ما هو هامشي لتبدو كالمتن للقارئ. فالموت نتحسسه من خلال غبار
الحزن، أو الذاكرة من خلال مقعد منسي، والحب من خلال عناق شارعين عند تقاطع، والأسى
من خلال الفنجان الذي تقبّله شفتا امرأة، ولكن لا تستطيع أن تحضنه لأن له ذراعًا
واحدة، والحال أن سوزان من خلال اللعب على تركيب القصيدة، يحسب القارئ لوهلة أن
المرأة تريد أن تحضن رجلاً. ولكن الجميل هو في اللامنظور.
الملاحظ في قصائد سوزان عليوان، أن غالبًا ما يكون هناك شيئان اثنان (الجسر-قوس
القزح، الشريطة في الشعر-الفراشة). فنجد كائنًا له حياة وروح أو له مدلول ذلك
وكائنًا ميّتًا أو هو في الموت أو الذاكرة أو يمثل القسوة والغياب. وكل ذلك يأتي في
غاية الجمالية. فالطائر عليه أن يتذكر أنه جلس على المقعد المنسي في حديقة وأن
المقعد كان شجرة. كأن في ذلك رثاء لعوالم عدة. والنغمة تعاتب الناي "لمَ لم تتركني
مع العصفور؟". كأن الجمال إذ يصفه الإنسان ينزلق من مستواه، فالجمال هو طبيعي أو من
مكنونات الطبيعة.
كائنات سوزان عليوان، هي سعادة مرعبة، متأرجحة في سعادة حظ في الكتابة. كائنات تلعب
بأحوال القارئ، من بداية القصيدة حتى نهايتها، وفي مشهدياتها "هيكل عظمي ينحت ما
تبقى – أسنان قليلة تبتسم)، ( في الدمعة – سمكة – تذرف البحر). الدمعة صغيرة لكن
الحزن بحر وهو كبير.
كائنات قليلة تنعش كسل القارئ، تساهم في طمأنينة الذات، في ديوان يبدو أنه زهرة
كتاب كبير اكتفى بأن يكون بهذا القدر من التقطير وبهذا الكم من الشاعرية. |