|
حين وصلني ديوان " كائن إسمه
الحبّ " و " مصباح كفيف " من صديقتي الشاعرة اللبنانية " سوزان عليوان " شدّ
إنتباهي وفضولي
هذا" الكائن" كائن يشبه بطاقة
من زمن الطفولة الباكرة التي لا تنتهي إلى مغيبٍ ما مهما إشتد ليل الدنيا وليل
الظروف ، بطاقة تختصر الحزن في دمعة وتختصر أهزوجة الحياة في وردة ، وتختصر المشاعر
في ومضة وامضة من جملة كأنَّ أحرفها متشكلة من بعض المنارات الخرافية البهيّة ،
جملة خاطفة / شفافة ، شفيفة و أليفة لها ميزات اللّمحة ، وطقوس الرفة بعيدا عن
مساويء الثرثرة التي تنشر على جسد النص الكثير من العبارات وفي النهاية لا نخرج
بعبارة واحدة لها مدلولها الجمالي والفني أو بعبرتها
المعتبرة ، نعم فكائن إسمه الحبّ
جاء ليقول الحبّ الإنساني الواسع /الشاسع الفصيح/ الفسيح ، جاء وسيما بلا ثياب رثة
من أطنان الرتابة اللغوية ، جاء بلا إسهابٍ رتيبٍ في الحكي أو ثرثرة في القول ، جاء
بصور مقتضبة لكنّها جريئة في فكرتها الإنسانية ، جاء على هيئة ومضات تصر على أنّ
كلّ كائنات الكون لها خصوصيات جمالية، إنسانية وذاتية ، لا تقل عن الأخرى شئنا
ولونا ، فكما للزهرة خصوصية وكبرياء ، للدمعة أيضا ما للزهرة من صفات ومن قامات ،
وللحزن قدسية المشاعر وقدسية الذات ، إنّ الفكرة الرئيسية المستنبطة من الديوان /
الومضة / هي عدم الإستهزاء بأي كائن كان ، وعدم الإساءة له والدفاع عنه إنسانيا
وجماليا وعاطفيا، ولهذا ربما جاء المتن التعبيري عن حالات متباينة في طرحها بدون
ثرثرة وبدون الوقوع في مطبات الشرح الرتيب أو البليد ، إنّها نصوص / ومضات ذكية لها
قيمتها / قامتها الفاخرة ...
لنأخذ مثلا ومضة " في الدمعة سمكة
.. تذرف البحر " ... الدمعة سمكة تشبيه في غاية الأناقة الفنية وفي غاية التميز ،
فأن تكون الدمعة سمكة ، فهذا يعني أنّها تذرف البحر ، وأن يكون البحر دمعة مذروفة
من سمكة فهذا من جماليات التعبير البالغة والبليغة جدا جدا ... جملة لها من
الغرائبية التصويرية ما يدهش بذهول، وبذهول حاد أيضا ...
من الومضات اللافتة أيضا " نغمة
تعاتب الناي: " لمَ لمْ تتركني مع العصفور " النغمة هنا لا تريد أن تخاصر أو ترادف
إلا العصفور ، فالعصفور في المخيلة البشرية هو دوما موازٍ للفرح ، للربيع، للدفء ،
وبإعتبار أنّ الناي مرادف للشجن والأسى ، فإنّ النغمة تشتهي أن تظل على تواصل مع
الفرح وأن تكون أواصر الحبّ قائمة فقط مع عصفور ما ، لأنّ العصفور يعني الحرية
المشعة نورا وفرحا وفضاءاتٍ فسيحة مفتوحة على المحتمل من الجمال والمحتمل من
الأبّهة الوجدانية الغامرة ، وإذا كانت هذه الومضة تتشبه/ تتشبث بما هو رمز للفرح
فإن النص فيه حزنٌ واضح تمام الوضوح بحيث تقول الشاعرة في أحد الأبيات: " زجاجة
فارغة ..آنية زهرته ".
لو تمعنا قليلا في النص فإنّنا
نكتشف أنّ الزجاجة الفارغة ربما هي الأعماق الخاوية من نورها ، من بهجة الحياة
وإنسانية الذات ... والزهرة هي التي تحولت إلى آنية ، لأنّ الزمن زمن اللامعقول
واللاممكن ولهذا تصير الزهرة في الظروف البائسة آنية لزجاجٍ ما .. والزجاج عادة
طقوسه الجَرْح ْ .. فكم من زهرة جرحها زجاج الزمن ثمّ رماها في كوم قمامة ، هنا
الكارثة " زهرة مرمية في كوم قمامة" من له القدرة على فعلٍ كهذا ..؟ حتما الذين هم
على قدرٍ باذخ من المساويء والبشاعات. الزهرة يجب أن ترفرف في حدائق القلب وأن تكون
ياقةً من حبّ وللحبّ لها قامة الكبرياء ووجاهة الأنبياء ، مكانها في العين
والأوردة لا في عتمة القمامة الباردة... نعم في هذه الومضة الوامضة الكثير من الحزن
الذي لم تحتمله الشاعرة والذي جسدته في صورة إبداعية بالغة وبليغة لها أكثر من
معنى وأكثر من مدلول .
الجميل والآخاذ في " كائن إسمه
الحبّ " هو أنّه جاء مقتصدا في الكلمات ،و في اللغة حدّ الإختزال وحدّ الإيحاء،
والنصوص فيه غير مستفيضة في الجمل وفي الشرح أو التفسير ، أماالصور الشعرية فكانت
مرئية حسية في آن الوقت دون صخب ألفاظ ودون ضجيج مستهلك أو زحمة في المفردات .
ما يمكن أن نقوله أيضا عن " كائن
إسمه الحبّ " هو أنّه تجربة تجاوزت البناء
التقليدي والشكل السائد واجتازت
العادي في متنها الشعري،
تجربة تفصح ببلاغة عن أبجدية
الذات والحياة بلغة شفيفة نحسها كالمرايا الخرافية الواسعة الألفة/ الساطعة العاطفة
، ومن يقرأ أو يستقريء " الكائن"
يصاب أكثر بالحبّ ، الحبّ
الكينوني الشمولي الوسيم ، فنصوصه هي بشكلٍ أو
بآخر معاطف لنا ولقلوبنا، هي
نهارات بأجنحة من نور تغمر أوقاتنا ،والنصوص التي تخلق دهشة الحياة هي نفسها التي
تستنطق و تخلق الحياة لأنّها نصوص
منتبهة للمنارات الإنسانية وآهلة
بها في آن ،أو لنقل أنّها مثمرة بها والإنسان هاجسها المستديم .
نصوص تسعى / و تدعو/ لأنسنة
الحياة أكثر ولأنسنة كلّ ماهو كائن في حياتنا من جرح وفرح وشجر وفراشات ،أنسنة
الحياة بشكلٍ أشمل
نصوص تفضي في إحتفالية شعرية إلى
ملكوت الطفولة اليانعة ، و تجتهد لحقن الحياة بما يلزم من فرح و حنان و جمال وبراءة
، وفوق هذا تحرض على النور رافضة اليتم الإنساني و العاطفي .
نصوص تسعى لرفع الكدمات عن الحياة
وما أكثرها من كدمات.
الرائع والبديع عند الشاعرة سوزان
عليوان أنّها دوما تكتب بنبضٍ كثيف ،
مشتعل بالألفة الإنسانية الطازجة
، نبض لا يغفو ولا يستريح ،نبض مشتعل بلغة فاخرة ،هي لغة تسعى لإستثمار الأنسنة /
الشعرنة .
وكلّ هذا برأيي يؤسس لتجربة شاعرة
شابة لها من النضج الإنساني / الجمالي ما يدعو إلى المزيد لتقديرها والإشادة بها
وبنصوصها المشرعة على التجريب
... |