أي كائنٍ هذا...؟ إلى أين تريد بنا سوزان عليوان؟!

رامز النويصري - مجلة "البيان" - 2003/6

 

هل نستطيع أن نطلق على كائنٍ ما اسم "الحب"..؟، ونستطيع بكل سهولة التعامل معه، ومجاورته..؟

ولو فرض وكان هذا الكائن، فهل سيكون سمتاً بشرياً، أم سمتاً يتخلل الموجودات جميعها، بلا تمييز..؟

في مجموعتها "كائن اسمه الحب"، تتلمس الشاعرة/ سوزان عليوان، أبعاد هذا الكائن، وتتماهى مع مكوناته، إنه الكائن الأوسع انتشارا وتمكنا من الموجدات، فهو قدرة التمني، في حاجة الفنجان إلى ذراع أخرى يضمها به (فنجان حزين جداً/كيف له أن يحضنها/ فيما تقبله، وله ذراع واحدة؟)، إنه أسطورة "ساندريلا" التي تحتاجه، فتمسح بدمعها غبار الحزن عن البلاط، إنه الذي يستطيع تحويل رسم الجمجمة إلى ابتسامة، ويَسْكنُ حُرقةً في زهرة إلكترونية تتمنى لو يضمها كتاب، والإحساس بالموت حقيقة في خشب كرسي قديم منسيْ.. في هذين المثالين تعقد الشاعرة معادلة الحاجة، الإشارة الأهم في رسم ملمح هذا الكائن، فالزهرة الإلكترونية التي تنتشي الآن في سيل المعلوماتية تتمنى لو يضمها كتاب، في رغبة للعودة إلى الأصل في كل هذه الفوضى المعلوماتية والإلكترونية (الكتاب)، كذا فالحال يختلف مع الخشب، فلو كانت الأمنية هي في جماد آصل وأمتن، فإن الكرسي هنا يتذكر حياته التي كانت عندما يقف عليه عصفور..

إلى أين تريد بنا "سوزان" حين تقنعنا، أن بنت الليل، ترسم طفولتها المغتصبة في بهرجة ملابسها، الكثيرة الألوان، وأن الجسر.. الجسر القديم كان قوس قزح لم تعد تعبره الأقدام، أو في إمكانية خلق الحلم نحتاً على جدار زنزانة (أذنه على جدار الزنزانة/ ينصت إلى نبض عصفور رسمه بأظفاره).. هو أن يكون المعادلة الصعبة في تمني شريطة بالتحول لفراشة، وتمني الفراشة بأن تكون شريطة في شعر بنت.

هذا الكائن يريد كل شيء، وفي كل شيء، لذا فإن الشاعرة لا تقدمه رسماً بل مثالاً، وغاية ومتخيل، وحنين.. فهل يمكننا القول بهذا الكائن..

اللغة... أنها تكتفي من اللغة بان تكون وقف.. وقفاً للحالة ومعياراً دقيقاً لا يتعداها إلى أكثر من المتخيل، أو المرغوب في رسمه، أو المخاتل لنا.. لذا فإن الشاعرة تجهد نفسها في اقتناص لغة غنية عن بديع اللغة، لغة ذات اتجاه واحد، تكون قادرة على منح المتلقي غايتها هي، ورؤيتها هي.. لذا فإنها في هذه التجربة تمازج بين الفنون، فالنص لا يكتفي باللغة رسماً، إنه يكمل لوحته بالرسم رسماً ولوناً، لذا فهي (كائنات رسمت نفسها).. تشارك في رسم المشهد، دون شعور بالنفور، بين رسم الحرف والشكل، وكأنها لغة العصر التي تستعين بالرموز والأشكال في التعريف، وكشف المظان، إنها لا تبحث عن استعارة خاصة، أو تشبيه خارق، بقدر ما تكتفي من الحالة بما تقدمه فقط، إنها لحظة المفاجاة التي يحيلنا إليها المشهد، إنها غاية الاكتفاء باللغة والمشهد، عن كل المنجز ورفض لكل ما هو تعويل على القديم، الحالة كما هي قادرة بسرياليتها وتجريدها على الإبهار، والدخول من النقة غير المعلومة، كالنقطة التي تجمع البحر والدمع كمتن، أو السمكة ورسمة العين كهيكل (في الدمعة سمكة/ تذرف البحر)..

وخارجاً عن سطوة الذات وارتقائها، لا تقدم "سوزان" ذاتها كنص أنثوي إنها تلتحم مع كل الموجودات، في صنع رؤيتها الخاصة التي تريد، والتي تجتهد في تقديمها دون بهرجة أنثوية، أو تفجع أو بوح، أن اللغة هنا هادئة ومتراتبة الإيقاع، فلا تصدعنا الصور أو تصدمنا، ولا تقتل في تجردها سخونة القراءة، إنها –أي الشاعرة- تبحث عن لغتها الخاصة، لغتها الخام، اللغة التي تصنع منها كل المفردات فتكون مكتفية بما تحمله لا بما تظهره، وبذا فهي تعول كثيراً على القراءة.. بمعنى إنها ترجع إلى الداخل، أكثر من العمل والاشتغال بالخارجي، فالشكل الذي أخذ اشتغال التجربة في الثمانين، يعود للمضمون من باب الداخل أو داخل النص، لذا فإن أصداء التجربة الجديدة على أيدي الشعراء الشباب تنزاح مائة في المائة إلى داخل النص دون التعويل على الشكل.. وكأن هذا الانحياز هو رد الفعل الطبيعي أمام الشكل المشوش والمشوه للعالم، الذي يختبئ وراء الأقنعة والإكسسوارات، حتى إن المعاني بدأت تفقد الكثير أمام الأشباه.. وهذا الداخل هو داخل الشاعرة/الشاعر، إنه رؤيتها هي التي تقابل بها تجربة الحياة ومسيرتها، وهو التوازي الذي يعيش فيه الشاعر وينطق من خلاله، فالتجربة الشعرية لا تسعى لتغيير الواقع أو محاولة البحث عن بديل له، بل هي أفق للتعبير يقابل الواقع يغيظه بما يبتدعه من صور ومن أنماط يضيق بها على الواقع (وفي حديث خاصٍ معها، تقول: أرى الشعر شعلةً. شعلة حرية تدافع عن الإنسان بنورها و نارها. أراه شمعةً تحترق من أجل أن تبدّد ظلام العالم).. وعندما تطمح شاعرة كـ(سوزان) لرسم هذا الكائن المفقود، أو تطمح لتحسس وجوده، إنما هي تطبع صورتها التي تناكف بها الواقع، وترفع به صوتها في مظاهرة سلمية.. وهي أيضاً تدفع بداخل النص للظهور والطغيان، فهي التجربة الشابة التي تؤكد حضورها المغاير والمتميز، وشكلها الخاص المنطلق من الداخل.

لكن ذات التجربة تكشف لنا الكثير من الوقوف، والبحث (وتقول أيضاً: أتعامل مع النص دائمًا بحب و جدية. فالكلمة كائن حي و ليست حبرًا على ورق. و هي كائن يستحق أن يحترم، و لا يجوز التعامل معه بسطحية أبدًا)، هذا يكشف لنا رغة ما في النص للانطلاق، والخروج من محيط الدائرة التي رسمت حوله، وكأنه لا يرغب بإكمال الطريق التي رسمت له، إنه يحاول أحياناً الخروج من الطريق الفردي المرسوم له، للمراوغة عبر طريق آخر، مما مكن فينا صرامة الشاعرة في التعامل مع كائناتها.. وهذه الصرامة من باب الخوف عليها، والمحافظة عليها من الضياع، غير أن النص يحتاج أحياناً للخروج عن العادة، والجدران، والنواميس، ليمكنه وبكل حب اقتراف آثامه التي يريد دون خوف..

كائن اسمه الحب؟.. هو تلمس وبحث وتعويل على إيقاظ الساكن فينا، والمترقب فرجة للخروج، والمناورة.. وسوزان أطلقت طيرها بكل ألواننا المخبوءة فينا.. وأسمعها تقول:

خفاش

يسأل الليل:

"لماذا أنت قاسٍ، هكذا يا أبي؟".