|
تذكّر مجموعة سوزان عليوان "كائن اسمه الحبّ" بشغب الأطفال وألعابهم. ليس فقط بسبب
تقاسم الرسم والكتابة بياض الصفحات. الأرجح أن هذا الإحساس يعود إلى تكاثف الإحساس
الطفولي، الذي يبدو منطلقًا لكل الكلمات والخطوط والألوان، ومستقرًا لها. الرسوم
أصلاً رسوم أطفال، وهي في تكرّرها على الصفحات أشبه بمعرض، وفي صحبتها للقصائد أشبه
بترجمة بصرية لمعنى القصائد. التداخل بين القصيدة ورسمتها شفّاف، ومصنوع ببراءة
تأليفية تكاد تقترب من الارتجال. لكن هذا مجرّد إيهام بالطبع. ثمة طموح شخصي لدى
الشاعرة اللبنانية الشابة، في جعل النص مرادفًا للنص. وهذا جعل الرسم مرادفًا للنص.
وهذا يضيف صفة طفولية أخرى إلى الكتاب، تتبدّى في النظر إلى الرسم كوسيلة إيضاح
كتلك التي يستخدمها المعلمون في رياض الأطفال.
وسوزان عليوان لا تترك هذا الإيحاء عاريًا بل تغلّفه بتقنية كتابية تحاول أن تصل
إلى هدف شعري، باستخدامها موادًا أولية هي غاية في البساطة والبراءة. فمقابل، أو
حول، كل نص يعثر القارئ على رسم يشرح بالخط واللون جزءًا من عالم النص ومعناه.
وبالعكس، قد يكون الرسم هو المقياس. أما المشكلة فتكمن في التبسيط والاختزال الذي
يرافق كل هذا الجهد القائم على اللعب واللهو والمتعة. التبسيط الذي قد يتحوّل،
أحيانًا، إلى عائق أمام نمو النص. وهذا ما قد يفسر قصر القصائد ومساحاتها الضيقة،
بحيث تبدو مثل حكمة أو قول أو علامة ويتساوى، عندها، حجم النص مع الأثر الذي يحدثه
لدى القارئ. وقد يكون هذا الأثر عابرًا أو خفيفًا يدعو إلى الابتسام فقط: "فنجان
حزين جدًّا – كيف له أن يحضنها – فيما تقبّله – وله ذراع واحدة؟".
نحن
أمام قصيدة مضغوطة إلى حدودها القصوى، متوترة وقاسية وجارحة، ومحمّلة بتراكمات
وجدانية وعاطفية مباشرة وفورية. لم تترك لها الشاعرة سوى الرسم الذي إلى جوارها كي
تتنفس. هل هذه ضرورة الرسومات؟ ربما. على أية حال سوزان عليوان تلب أيضًا بوقار
الكتابة الشعرية ومكانتها، وصفات الشاعر وفرديته ونرجسيته... فتتحول الكلمات إلى
دمى يمكن تحطيمها وإعادة تجميعها، مثل أية لعبة في يد طفلة، وفي مخيلتها أيضًا.
هناك قدر من اللهو والطرافة والاستمتاع بهذا اللهو يزيد على حاجة الشعر، ويكسر صورة
الشاعر وينزلها من علياء جهامتها وصرامتها. الشاعرة هنا ليست أكثر من طفلة، لكنها
تستثمر طفولتها في هذا النوع من الكتابة الشبيهة بالأشغال الورقية. طرافة المجموعة
توحي بسهولة هذا العمل، لكن الأعماق الحميمة للقصائد تبعد هذه السهولة لصالح أداء
شعري يقترب من روحية الهايكو الياباني، على صعيد القالب الشكلي، والدفقة التعبيرية
القصيرة والكثيفة التي تقول الكثير بقليل من المفردات: "بدموعها تمسح البلاط –
تمزجها جيّدًا بالصابون – سيّدة البيت – لا تحتمل غبار الحزن".
وهنا
يعود التبسيط ليقلق راحة المتلقي. فمقابل كل ذلك نلمس اكتفاء القصيدة المكتوبة بهذه
الطريقة بحياة قصيرة محدودة، إنما يمكن تكرارها إلى ما لا نهاية. قليلة هي النصوص
التي تتجاوز مدي معيّنًا للمعنى، وللطموح الشعري، في هذه المجموعة التي تنضح بنكهة
المرح والطفولة على حساب الرصيد الشعري المتنوّع أحيانًا. وبين هذين التصوّرين
تتحرّك التجربة الثالثة لسوزان عليوان بعد مجموعتين سابقتين صنعتا لها نبرة شعرية
محبّبة، وموقعًا في المشهد الشعري الراهن. |