سوزان عليوان

30/7/2001 "فاروق يوسف - جريدة "الوطن

 

بشروط طفولتها تكتب سوزان عليوان، الشاعرة اللبنانية المقيمة في مصر، البصر لديها لا ينفك عن العاطفة، كما في قصائد الهايكو اليابانية، تقف عند الصمت لا لتتأمله، بل لأن غصّتها بالكلام تسد الطريق المؤدي إلى حنجرتها. تقيم كلماتها في المفاجاة وتعترض طريقنا الدهشة بين كلمة وأخرى. حواسها لا تكف عن التمعن والطعن والالتقاط والعصيان والاعتراف وكأن بوصلتها تعمل في بحر متلاطم الجهات، من العتمة تطلع ببصيص الضوء سرعان ما يستقر مثل برق عجيب بين أهدابنا، هذه المرأة لم تغادر طفولتها بعد، بل تأبى القيام بذلك، ذلك لأن الطفولة والشعر صنوان، الشبيهان اللذان لا يكفّان عن التقاطع والتداخل في علاقة هي أشبه باللغز والأحجية، الشعر لديها كما لو أنه فرصة لقول ما لا يقال.

للاعتراف بعيدًا عن كل رغبة في الاستعراض، الطقس الإنساني لذاته يكفي بكل ما يحمله من طاقة حلم ورعشة حب وقول مطمئن، سوزان عليوان تطلق طائرتها الورقية الملوّنة أمام أنظارنا وهي تخفي حمائمها خلف ظهرها، تلعب كما لو أنها ملّت كلام الكبار بصرامته وتكلّفه وعبوسه ويباسه، تسبقها ابتسامة استفهامية هي رغوة دهشة لتلحق بها ضحكة هي جناح الفتنة. هذه الشاعرة لا تخفي اضطرارها إلى المضي مرتبكة وراء الطفلة التي كانتها بشرائط شعرها الملوّنة وخيالها الأشبه بقوس قزح. بصريًّا تذهب الشاعرة إلى مشاهد وصفية مسلية، غير أن سحر هذه المشاهد يقبل من مفارقة غامضة، هذه المفارقة التي تعتمد على مزج ما هو واقعي بما هو خيالي، المرئي بما هو مفكر به، الممكن بما هو خارج نطاق الاحتمال، دائمًا هناك الوجه الذي يقع في منطقة لا تتنزه في أرجائها الحواس، ثنية من حدس. القصيدة لدى عليوان، المرآة التي تخفي أكثر مما تظهر، الرحيق الذي يذكّرنا بالزهرة، لكن بعد فنائها. لا يكفي أن يوصف "كائن اسمه الحب" ديوان عليوان بالظرف وهو أصغر من الكف الواحدة ولا تكفي متعة القراءة سببًا للتلذذ به وهو يمر بخفة طائر وسرعة برق، فدعاباته السوداء تفتح أمامنا عالمًا هو مزيج من الدهشة والخيبة، من الليل والنهار، من الحب والفراق، من الدموع والابتسامات، عالمًا هو نسيج وحدته، ونتاج عزلته، عالمًا تسكنه فكرة المضي إلى الشعر من غير سراج مضيء وتلهمه جلده وخيلاءه ونزقه ودماره، عالمًا كائناته المنسية تشعرنا بترف الحياة وذكرى الأمل. سوزان عليوان شاعرة بقليل من الكلمات وكثير من الصمت.