|
لم
يحدث أن مررت بالمقهى إلاّ ووجدت كومة من الرسائل والبطاقات التي تدعوني إلى معرض
أن مسرح أو محاضرة أو توقيع كتاب أو حفل استقبال أو تكريم أو كوكتيل في هذا الفندق
أو ذلك كما بات شائعًا في السنوات الأخيرة.
أحيانًا أجد في المقهى ظرفًا يحتوي على كتاب أو مجلة أو نشرة جديدة. ولم يحدث مرّة
واحدة أن وجدت ظرفًا فيه مبلغ من المال! ففي هذه الأيام نادرًا ما تجد شخصًا
يستدعيك ليعطيك شيئًا بل الغالبية تستدعيك لتأخذ منك.
أقرأ
البطاقات والرسائل ولا ألبّي من الدعوات إلاّ المُحرج جدًّا، وكثيرًا ما أكسل
وأتلبّد فلا أذهب إلى محاضرة أو أمسية لأقرب أصدقائي أو صديقاتي إلي. وهذا يباعد
باستمرار بيني وبين الناس. فأحيانًا يتوقف شخص عن مصافحتي أو الاتصال بي في التلفون
وما من سبب سوى تقصيري في حضور معارضه أو محاضراته أو تواقيع كتبه. فمحكّ الصداقة
في هذه الأيام هو القيام بالواجبات الاحتفالية، ونادرًا ما تجد صديقًا يستدعي صديقه
ليشكو له هموم الحياة كما كان يحدث في الأيام الخوالي.
اليوم، وفور وصولي إلى المقهى، دفع إليّ النادل بثلاث ظروف، فتحتُ اثنين منها فإذا
في واحد دعوة إلى معرض، وفي الثاني دعوة إلى توقيع كتاب. أما الظرف الثالث فكان فيه
كتاب صغير، كتاب شعر، لم أشكّ في أنّه لشاعر جديد ناشئ من هؤلاء الذين "ينشأون"
بكثرة في وقتنا الحاضر في مدينة بيروت.
لا
بأس، قلت بيني وبين نفسي، فلنصغِ إلى صراخ مولود جديد...
وفتحت الكتاب فإذا فيه عدد زهيد جدًّا من الكلمات، وجميع نصوصه لا تزيد عمّا يساوي
صفحة واحدة مكتوبة بخط يدوي... لكنه كان مزيّنًا بكثير من الرسوم.
الكلمات على ضآلتها روت عطشي إلى الشعر، والرسوم روت عطشي إلى الفن البسيط الجميل.
وأسرني هذا الاقتصاد الرائع في الكلمة والصورة، وهذه الوحدة الرائعة بينهما.
صاحبة الكتاب الصغير (الذي ذكّرني بكتاب "الأمير الصغير") تكتب وكأنها ترسم، وترسم
وكأنها تكتب، والفراغ الأبيض بين هذا وذاك مشبع بالشعر المرهف المدهش اللطيف
الصديق..
قرأت
الكتاب وشاهدته في أقل من خمس دقائق، وهذا وحده يستدعي الشكر لصاحبته، وشكرًا لأنني
لم أجد فيه كلمة واحدة غامضة، ولا صورة واحدة غامضة، وعندما حملت الكتاب خارجًا من
المقهى رحت أسأل الجالسين: من يعرف سوزان عليوان، من يعرف أين تقيم؟ |