|
أكبر الظن، أن
الشاعرة الشابة (سوزان عليوان)، حين نقرأ شعرها التشاؤمي والباكي، أنها تتحدث وتصور
حال وطنها الجريح، الذي اصطلحت عليه كوارث منذ اجتاحته إسرائيل قبل عقدين، ثم توالت
عليه أحداث دامية، زلزلت استقراره وحولته إلى دمار.. بلد جميل يشبه الوردة الحمراء
اليانعة العبقة.. إن ذلك الدمار الذي توالى على لبنان حوّله إلى جحيم وقلق لا قبل
له به، ومن أجل ذلك انعكس على الشعر الغض لتلك الفتاة المثقفة التي تتقن ثلاث لغات
هي: الفرنسية والانجليزية والاسبانية، عدا لغتها العربية التي تعشقها أكثر من
غيرها، فتتحدث وتكتب بها.. هذه الفتاة الشاعرة التي فتحت عينيها على الحمم وجريان
الدماء والاجتياح الصهيوني مرتين واحتلال أرضه والبطش بالآمنين فيه وترويعهم جواً
وبراً وبحراً.. وحق لها أن تبكي هذا الوطن الجميل الحر، وأن يكون ما تذرف من أحزان
رثاءً دامياً، لأن الكوارث لم تتوقف، وكأن مصير لبنان انتقام، فلا يستقر ولا يهدأ
ولا اطمئنان للحياة فيه، حسد في جماله ومناخه وحريته وبهائه، وكأن حاله توائم قول
أمير الشعراء :
أحرام على بلابله
الدوح
حلال للطير من كل
جنس
إذاً حق لها أن
تردد، وهي القائلة:
وحدي أنا الغريبة
/ لا أشبه أحداً
ونقرأ لها نعي
طفولتها، وفجرها الشاحب، لذلك فهي في ترحال متصل، لأنها لا استقرار لها، مادام
وطنها محاصراً، لا استقرار فيه ولا أمن ولا أمان، والوطن غال، حتى إن شوقي، تنازعه
نفسه إليه، إذا كان في الخلد، وحق لمنتمن أن يقول ذلك، لكن هذا الرماد، وهذا الشحوب
والأحزان والآلام.. فإلى متى هذا القلق الدامي؟
الغربة مريرة في
حياة ذي الحس المرهف، فهي آلام متدفقة لا تهدأ، لا يستقر فيها لا المال ولا الجاه،
لأنها قلق لا راحة فيها ولا اطمئنان، ولا حياة بمعناها الحقيقي..
إن هذا الشعور
المتدفق بالأحزان، يجعل صاحبه لا يعرف إلى الاستقرار سبيلا، فالحياة إذاً لم تكن
آمنة فإنها تتحول إلى جحيم لا يطاق، غير أن التنفس عبر تعبير متدفق، وعبر ترحال لا
هدوء فيه، يجمله صبر جميل، يركن إليه المبتلى بإحن الحياة وكربها ولأوائها الذي لا
هوادة فيه.. وكأني بالشاعرة القلقة لسان حالها يردد قول البحتري:
حضرت رحلي الهموم
فوجهت
إلى أبيض المدائن
عنسي
في صباح ندي ،
وفي جوار كريم، وفي حنان وسكينة، حلقت مع (سوزان) فلامست المفتاح الذي فقد بابه،
وكنت أظن أن الباب فقد مفتاحه، فالصور للمصباح الكفيف، يعلق المفتاح بأهداب السحاب
الماطرة لتدركه رحمة الله من الغيث الهاطل الذي يحيي الأرض بعد موتها، فتصبح سندساً
يبهر العيون التي أعشاها القحط على وجه أرض الناس، فاحترقت من الحروب وأصبحت
يباباً.. وكانت زينة في أعين من يغشاها من بعيد، لأنه وجد فيها النماء والحياة
والحرية والجمال، ولكن الإنسان كفور، إذا استغنى تكبر، وإذا نال الجاه والمجد
والقوى والسلطة طغى، فأحرق الأرض والنسل واجتاح الفضاء المخضر حريق لا يبقي ولا
يذر، فهجرها أهلوها، وبعد عنها محبوها، فأصبحت كأن لم تكن جنة الدنيا.. فيها كل ما
يخطر على بال الحالمين. ويزهي مرتديها الذين ألفوا فيها الحب والحرية والمناخ الذي
نداه هوى، وبحره سحر، وأرزه ظلال العاشقين.. وحين جف الزمان تاه أولئك الحالمون،
لأنهم لم يغش هواهم حلم في أرض جرداء لا بحر فيها ولا هواء ولا حلم، ولا ما كانت
تبصر العين من نعماء، وتعيش في هوى كان المنى للذين أحرقهم لهيب الصحراء، فأصبحت
العاطفة تضج فيما حولها، ذلك أنها لم تألف الهجر، وكانت تهرب من الجفاف والقحط إلى
نسمات الندى الذي يسكن الهوى في نفوس ضاقت بلهيب الحياة القابعة في الضنك والردى...
والـ(مفتاح الذي
فقد بابه)، عليه أن يطرق أبواب الفضاء الواسعة ففيها أبواب كثر نديه، لعلها تكون
العوض.. وأقول ذلك لما جاء في عنوان (كوكب أحمر).. فإن فوق الأرض فضاء رحب، لعله
يصلح لحياة وارفة الظلال والنماء، ويقرّب هذا الكوكب بكواكب كثيرة جميلة لامعة
تتراقص وتتناجى، بعيداً عن كواكب أخرى أكبر من الأرض بكثير ، لأن فيها متيهة تصعب
فيها حياة من كان على الأرض يسير الهوينى، بين بحر وأرض مخضرة.. إن السفر قسوته
غربة عن الأوطان، ولذلك يلفه القلق الذي يقتل الحلم ويذيب الهوى، ولا تغنى جنانه
وأنهاره وسحبه الريّة، وبذخه وزخرفه عن تربة الهوى، فنسماتها وعبق تلك التربة
امتزجت بأنفاس المزيج الإنساني فهي بعض كرويات الدماء التي هي النماء والأنفاس
المترددة في حركة الحياة..
إن عناوين كلمات
الشاعرة المجنحة، بوح نفس حزينة شبه يائسة، تعيش حياتها ولا تعيشها، والنفوس
المحلقة في كون الله الذي لا نعرف مداه، إن نفوساً غير مترفة، ملتاعة حساسيتها
عالية جداً، تعيش بعيداً عن أرض الناس الملأى بالمظالم والأحقاد والطرد والقتل،
حياة نكر ويأس ، يتعب فيها من كان له حس محلّق، يعلو بعيداً في كون خالقه، لأنه سئم
الظلم والمكر والأذى والكراهية، فتعب في حياة تضج بالبأس واليأس، حياة حقيرة مظلمة
راكدة ترهقها قترة، وقلق لا حدود ولا نهاية له أسوأ من حياة الغاب، التي يفترس فيها
القوى الضعيف.. وأي حياة هذه التي يضيع فيها الحق ويهيمن فيها الباطل، ويطغى فيها
البهتان؟!
وحين حدثتني
ابنتي عن الفتاة الشاعرة ابنة الأرض، وأن لها دواوين احتفى بها الكاتبون وأشادوا
بخيالها وتحليقها، تطلعت أن أقرأ هوى الأرز وغناء الوروار وبريق وجه الثلج الذي
يغطي بعض البقاع، وزرقة بحر بيروت، وثراء ثقافة لبنان. تطلعت إلى نغم مثل أنغام
شاعر الجندول المحلّق، يتغنى بالجمال وكون الله جميل في كان، بحيرة كومو وفينيسيا..
لكني رأيت فيما قرأت شجناً وبكاءً صامتاً ويأساً وكرباً.. وتساءلت: أين أخيلة أو
تصوير حياة ترفة وارفة الظلال، فلم أجدها.. وحين رجعت بالتأمل إلى عمر الشاعرة
الممتد في سعادة إن شاء الله ، أدركت أنها ولدت في أتون الحرب ، وسط الحرائق والقتل
والقصف الناري المدمر الذي لا يبقي ولا يذر ، فقدرت .. واعتذرت ..
وأفتح بعض
النوافذ ، فأرى حراك الحياة الدائب ، ثم أعود إلى ذلك المصباح، فأرى بصيصاً من ضوء
مسلط على كلمات تردد تحت عنوان “حنان بمرارة الحنين” :
من نافذة صغيرة
بيضاء
لإطارها لون يوم
مهمل في المطر
أطل على غربة
يديك
بحكايات عن
مشربيات قديمة
حفر خشبها الهواء
لوحتها الشمس
بسكر محروق
كان ذلك في مدينة
سكنتني
بحاراتها
وبيوتها
وأتأمل ، إذ تقول
:
“لو كنت أعلم أن
اليوم عيد ميلادك
لقدمت قلبي قطعة
حلوى” .
إنه النسق نفسه
في رؤى الشاعرة المحلقة والإيقاع الشجي ، في مسار كلمات نجاء تصور تئن وتحاور نفسها
، تتلاقى ولا تتنافر ، كم أتمنى أن تطوى صفحات تلك الأيام القاتمة ، وتأتي أخرى
ربيعية مشرئبة بكثير من الأحلام المتراقصة العبقة في أنفاسها وأحاسيسها وإيقاعها ،
فالحياة حلوة ، إذا تحولت النظرات والأحاسيس إلى أمل كبير ، فوق الألم واليأس
والخوف ، ولكن إلى رجاء ، وأكرر “الأمل” ، وعذوبة الأيام والساعات ذات المذاق
الحاني .. لنتفاءل كثيراً ونطوي بعض الصفحات الرمادية، بأخرى حالمة، فيها اشراقة
ولذيذ حلم ومنىً ، لنجرب ، ثم نتحدث بأمل وآمال ، ونردد مع القائل : “ما أضيق العيش
لولا فسحة الأمل” . فالحياة حلوة لمن يحياها ..
وانتقل إلى لون
لعله أو بعضه فيه شيء مما نطمح أن نقرأ في “لنتخيل المشهد” بعنوان “كواكب ونجوم من
قمح” :
بالعدل الذي لا
تعرفه سوى أصابع عاشق
يوزع كعكاته
الدافئة
على أطفال
الشوارع
على شبابيك
النائمين ، دون عشاء أو أمل
فقط
لأنه يحبها
من أحب إنساناً
أحب الناس جميعاً
.
إن
الذي يقرأ الشاعرة ، يطول به التأمل ، ويطول وقوفه مع تلك الإيقاعات القلقة المؤلمة
والمحزنة وحتى الباكية .. ترى : هل من أمل أن تبتسم الأيام على فجر وهّاج يلّفه
نسيم باسم عذب ، ويبشر بيوم بل بأيام فيها أحلام ملأى بالسعادة والحب والهوى الجميل
، لأنه جميل في معناه ورؤاه وإيقاعه لأنه عذب اسمه ومعناه ، ومن يقاربه ويحس به
ويدانيه ويعيشه من قرب ، ويمتزج به بفورة عارمة .. فطوبى للحالمين المتفائلين ،
ولعل غداً بهيجاً يلامس الشاعرة بنسائم هي بهجة ، وهي ملامح فيها سنابل خضر على أرض
خصيبة فوّاحة الشذى ، تبعث في النفس معاني من عبقها ، فهي حب ونماء وآمال لا حدود
لها . |