|
من شهوة الطفولة الى فتنة الاختلاف خالد زغريت - جريدة "السياسة" 30/4/1997
|
|
ماذا بقي من الحلم للشعراء الذين انكسرت احلامهم غناء للبلاد القادمة من ضفة كلمة تقيم انوثتها المملوءة بالدفء والاختلاف المشبع بالفتنة العارمة، بلاد مطلقة من الوهج يغمرها الحلم ويفتن بها الممكن، ماذا بقي لهؤلاء الشعراء كي يغووا العالم ليرقص باقاعات ضوئية باهرة بغزل اللغة وقيامة الشعر الخالدة من الذهب الخالص مفتاح جنتها السرية، لا يفل الذهب الا الذهب. ربما كل شاعر اجاب بطريقته الخاصة على هذا السؤال، لكن لم توضع النقطة الحاسمة بعد واذا كان واقع الحداثة الشعرية العربية من اكثر الابداعات التي يندرج عليها رأي انطونيو غرامشي (القديم يحتضر والجديد لا يستطيع ان يولد، وفي هذا الفاصل تظهر اعراض مرضية كثيرة وعظيمة في تنوعها) فإن تجربة الشاعرة سوزان عليوان في ديوانها الجديد "لا أشبه احداً" جانب مضيء في هذا الفاصل الركامي، لا نتمكن حالياً من الحكم عليه بأنه البوابة المثلى للخروج نحو الاضاءة الخالدة، لكن لهذه التجربة اجاباتها على مساءلة حلم نهاية القرن واختياراتها الفنية لهذه الاجابة، فسوزان تنكفئ سلفاً عن هذا الحلم المتكسر وتستبدله بإقامة طفولتها من جديد، بل باستعادة روح هذه الطفولة بشهوة مدهشة تنجلي عن فتنة بليغة للاختلاف، ولا يعني... ذلك ان الشاعرة تهجس في شعرية الاختلاف كغاية، بل تفتن به لتحققه كفتنة ابداعية وجمالية تؤكد خصوصيتها وهويتها المنشودة. ان سوزان وقد انتهكت كل احلامها واسقطت من يديها كل حيل الكلام الجميل من محاورة جثة القرن العشرين التي استبدلت حيواتها بيباس روحي مرعبة، لم يبق عليها (اي الشاعرة) الا الانهزام الى الطفولة، الملاذ الاخير لرعشة حلم او لحظة براءة: حملت نعش طفولتي على كتفي ومشيت في جنازة احلامي تبعني اطفال عصافير ظلي رافضاً ان يكون ظلاً لطفلة ميتة ان الشاعرة وان كانت تنفسح عبر قصيدتها لاحتواء متعطش للطفولة فهي لا تنكسر بظل هذا الاحتواء وترتخي لمواصفاته الفطرية او عوالمه العبثية، بل تبحث فيه عن معنى وجودها المتجذر في معنى ملكوت الطفولة الساحرة مجابهة للعقلتة المادية وما ينشأ عنها من حالات غابية تفرضها مسارات الحضارة المنفلتة من عقال الانسانية، فالشعر في اساسه، صورة ناصعة للحضور الانساني، للحلم، الهواء الوجودي اللامرئي، وبالتالي فإن سوزان عليوان تعاني مضاعفة الخذلان الحضاري لمعناها الانساني لأنها انثى، اي اكثر حساسية بطبعها تجاه الخريف الانساني المعاصر، واكثر قلقاً ازاء الغياب الروحي القائم، وهي وان تتحصن بشهوة للطفولة فإنها غير قادرة على تميع الوهج الروحي الخصب للأنوثة فيها، وبالتالي لا تبقى الطفولة "اي الحلم" والحصن المتبقي لعالمها الذاتي حالة كافية للمواجهة فهي لا تواري صور تحايلها على ترويض ذئب الحضارة الذهبي، بل تعمق مأساوية هذه الحيل كاشفة جذوة ما يلتهب في اللاشعور من الخوف والدراما الانسانية تحدس اوجاعها فتتوجع لكنها تدري وهي الشاعرة ان الشعر يعجز موضوعياً عن ايقاف المهزلة المنتظرة. لأنك وحيد وروحك شاحبة تلون وجوه اطفالك بالمساحيق ثم تجلس قبالتهم وتبكي سوزان تدهشنا بمساكنتها العميقة للطفولة لتمليها الشره لشهوتها، تدهشنا بهذا الاحساس الهائل بمخبوات الطفولة واسرارها وتدهشنا اكثر بقدرتها على تبصيرنا على ما يقوى ويكبر فينا من الطفولة كلما ابتعدنا زمنياً عن مرحلتها، وكم نحس عبر قصائدها بمتعة اكتشاف طفولتنا باسرارها التي تنمو فينا ببراءة تواريها كهولتنا، هذا الاحساس الرائع بالطفولة مكن الشاعرة من القبض على لحظة التكوين الفطري للشعر، عن اكتشاف الشعر المدهش في البسيط والمواري بوضوحه الحبور، ان شهوة الطفولة شكلت لدى الشاعرة احساساً نادراً في اكتشاف روح الشعر في المدرك واللامدرك، مما يفتح للشاعرة آفاقاً خصبة لاختيار ادوات بكر لإصطفاء قصيدة تموج بروح الطفولة ودفء الانوثة مغذاة بحاسة شعرية فريدة تتميز بخصوبة جمالياتها التشكيلية للمخيلة الصورية في تأليف القصيدة هذه القصيدة التي تختزل الى حد الصورة الواحدة لكنها تولد تكثيفاً ايحائياً مثيراً كأنها تختزل صورة كونية في وميضها الشعري: طفلة مبتلة الثوب تركض من ضفة النهر الى عيني تنبض قصيدة سوزان بزخم وجداني فائر يتما يزفي باطن الصورة على شكل اضاءات ساطعة تخلق لبوسها الفني داخلياً تصبح القصيدة حالة للمناغمة الجمالية بين الجوهر الشعري وصورته الفنية القادرة على التجذر في وجدان المتلقي: اصدقائي مصابيح مكسورة تبكي على الجسور ان الشعرية في مثل هذه الحالة لا تكون مجرد اداء فني للرؤية انها في القصيدة بمثابة مناغمة الروح والجسد، تحرك اجزاءه، تحدد جمالياتها تعطيها الوانها وحركاتها وحيواتها المتلونة والمتجددة بتعابير واحاسيس لا حدود لصورها وكأنها لحظة اندهاش الشاعرة بحيوات ذاتها المفاجئة بمخبؤاتها السحرية، انها ولادة النجوم لأشعتها في لمسة الانثى لمطلقها، لأسئلتها السرية: فهل يولد طفل من لمسة في ظل النجوم سوزان لا تريد ان تشبه احداً لأنها تدرك (ان التشابه للرمال والقصيدة للمطلق) انها تبحث عن مطلقها لا في الاشياء العظيمة بل في الاشياء البسيطة لتكشف عظمتها الدفينة تدربها على اكتشاف عظمتها الخاصة انه رؤيا متقدمة لابداع قصيدة لا تكتسي بطوابع العصر بل تتقوله، تحكيه، تغنيه حتى ينتشي، تروض ذئابه على اقتلاع براثنها وزرع الورد بدلاً عنها لتخلص من فلكها الظلام، وتدور فيما هو اسمى ضوءاً وانقى وجوداً ان الشعر لدى سوزان عليوان حيلة شعورية لاستعادة الصورة الضائعة للانسان، لمعنى وجوده الشعري انه كتابة الحلم الآخر والوعي الآخر والذات الاخرى باختصار كتابة شهوة الطفولة المضيئة لتحويل كل الحجارة الى دمى وورود وأغنية صغيرة تتراقص على ايقاعها الوحوش متأبطة الغزلان بلحظة عشق غرائبي نادر. |