"قراءة في ديوان "مخبأ الملائكة

أحمد الدمناتي - "البيان" 1997/4

 

سوزان عليوان، شاعرة لبنانية متمردة على نجيمات ليلها الحزين، ولدت في بيروت 28 ايلول 1974، غرّبتها الحرب الشرسة عن وطنها الجميل والرائع لبنان، لتعيش طفولتها الجميلة والحزينة مع الالعاب والدمى في مدينة ماربيا الاسبانية بعيدة عن ازهار لبنان وحدائق بيروت، وشواطئ ومرافئ لبنان الساحرة، كما عاشت مراهقتها بكل تناقضاتها. من احلام معتقلة، واشجان مصادرة، وذات تحلم بأحضان الوطن وقبلة الام الدافئة في المدينة / العاصمة الفرنسية، الرمادية، الحزينة باريس. دخلت دون سابق اشعار بزورق مصنوع من الورد لمرفأ الغربة في جزيرة القصيدة، في هاته الجزيرة الساحرة علمتها جراح الغربة كتابة الشعر، ولقنتها الحياة قراءة شطحات الذات في فنجان القصيدة / خارطة النفس المفتوحة على كل الاسئلة والتواقة لمعانقة كل الامكنة. درست الصحافة والاعلام في الجامعة الاميركية بالقاهرة. اصدرت حتى الآن ديواني شعرهما: "عصفور المقهى" 1994، "مخبأ الملائكة" 1996.
هاته الشاعرة تسكنها الفوضى، وتسكن القلق والغربة، تهرب في عنف فضاءات ذاكرتها بقصائد محمومة، ملغومة، مسيجة بألف سؤال ومزينة بالجرح والدمع والوجع. القصيدة عندها طفل صغير يجري ببراءة الطفولة على شاطئ قلبها الحزين ليقطل لها وروداً وازهاراً من احداق الامواج، ونجوماً واطياراً من اجفان الاصداف. صوفية تحترق في رماد جوانحها، تبني للاطفال بضفائرها السوداء قصائد عاشقة في بحيرة الزمن، وتغوص في بحر خان زرقته واغتال النوارس في رحم الشواطئ. تبني لنفسها باستمرار عالماً شعرياً يهدم معبد ذاكرتها. فتبكي الذات على شطآنها الضائعة، وتقام لأحزانها اعراس فوق شفاه الامواج الخجولة.
1- "مخبأ الملائكة" قراءة في العنوان:
العنوان ينفتح على عدة قراءات، والقراءة العاشقة هي التي تستطيع ولوج عالمه الضبابي، والمنفلت والزئبقي. فالشاعرة لم تجد مخبأ في قلوب الاصدقاء، وفي وطنها الحبيب الذي غربتها الحرب الشرسة عنه، بل وجدت لنفسها الحزينة مكاناً في "مخبأ الملائكة" لأنه الملاذ الحقيقي والاختيار الصائب، بهذا تعلن الشاعرة عن تطليقها للعالم الارضي بحروبه ونفاقه ودنسه وقلوب اناسه المتحجرة على هذا الكوكب الحزين، لأن في هذا العالم الارضي وقعت حروب بشعة، ودمار مهول، واغتصابات عنيفة للاطفال وهم في عز طفولتهم، وجرائم في حق الابرياء والشيوخ، فاختارت "مخبأ الملائكة" في العالم السماوي، والتطليق (اعني تطليق الارضي من اجل السماوي) جاء نتيجة تصادم الذات المبدعة بالواقع، هذا التصادم واللاتجانس جعلها تبحث عن بديل يحتوي ازمتها وانكسارات ذاتها، فوجدت "مخبأ الملائكة" الحضن الهادئ والجزيرة الرائعة والملاذ الآمن، في "مخبأ الملائكة" تختبئ الطفلة الشاعرة من قبح العالم ورداءة مبادئه وقيمه المزيفة الآيلة للسقوط.
2- جرح الحنان واحضان الام في الخطاب الشعري:
تنفتح القصائد على افق اللغة الشعرية المتوهجة بشروخات الذات ونزيف الذاكرة، لتعلين عن شعرية الموت البطيء للذات المبدعة، ان التخلص من بياض الورق الذي يستفز الشاعرة يجعلها تتورط في حرقة الكتابة وجدل الاسئلة، اسئلة الذات في علاقتها الحميمة مع الواقع، اسئلة النص في انفتاحه المرئي واللامرئي على الحياة.
في "مخبأ الملائكة" تبرز اللغة الشعرية في تضاعيفها المتشعبة عن مأساوية الذات المبدعة وحزنها المتوهج، وهي بعيدة عن حضن الام الهادئ والدافئ وحنانها النادر، تقول الشاعرة في قصيدة "عطر ام":
ثمة تفاصيل صغيرة
لا تضيع
في زحام الذاكرة
عطر امي الحبيبة
قهوة
وخبز
جبن
وحنان دافئ
في الصباحات الماطرة
ثمة تفاصيل صغيرة
هي الذاكرة (1).
تعتمد الشاعرة في هذا النص على الذاكرة الاسترجاعية لاستدعاء اللحظات الماضية من عمرها، او تخليد زهو الطفولة الهارب، وبهاء الحياة في تلك الفترة المضيئة من حياتها، وهي تنعم بحنان الام الدافئ الذي يجعلها من كثرة الفرح والسرور. كملاك يعيش على الارض، فهاته الطفلة المشاغبة الشاعرة رغم انشغالاتها الحياتية المتعددة، لم تنس عطر امها الحبيبة وهي تستيقظ في الصباح الباكر الممطر، لتهيء لها طعام الافطار المتكون من قهوة وخبز وجبن، وتمشط ضفيرتها الصغيرة وتناولها محفظتها الملونة لتذهب للمدرسة مرة برفقة امها، ومرة وحدها مع مظلتها التي ما زالت تتذكر زخات المطر في تلك الصباحات الجميلة الممطرة.
اما في قصيدة "توأم غربتي" تصبح الكتابة في هذا النص ليس فعل تطهير كما مارسه الشعراء العرب، بل فعل فضائحي، تمردي، انقلابي، يفضح اسرار الذات السجينة، ويتمرد على سكون النفس الحزينة، ويحدث انقلاباً في شروخات الذات التواقة لأحضان الام في هدأة الليل ومنفى الغربة، تقول الشاعرة في قصيدتها السالفة الذكر "توأم غربتي":
الأم
حرمانك المؤلم. (2)
هكذا بهذا الاعتراف الجريء، الحزين، تتعرى الشاعرة من جميع اقنعتها لتصرخ في وجه العالم، وتختصر حزنها وحنينها العنيف بذاك المقطع الشعري المعبر لأحضان الام كملاذ لن تنساه طول العمر.
أما قصيدة "نوستالجيا" فتقول فيها سوزان عليوان:
مدي يديك
يا امي
دعيني ألامس اطراف طفولتي
فأنا
كلي شوق
الى عمري الذي مضى (3).
من خلال مساءلة هذا المقطع الشعري يتبين بجلاء التحسر المأساوي العنيف على العمر الذي مضى، وعلى الزمن الطفولي الجميل ببراءته وابتساماته الحلوة والصادقة، ويتبين الحنين الصادق والعميق من طرف الشاعرة لأمها من خلال فعليّ الامر (مُدّي) و(دعيني) ويدلان على الاحتياج الشديد للذات الشاعرة لعطف الام وحنانها الذي اضاء طريق كل انسان في هذا العالم.
اذن تبقى سوزان عليوان الشاعرة والطفلة المشاغبة مثل قديسة صغيرة دخلت كنائس اللغة لتمارس غوايتها وشغبها وتقتل خفافيش الغربة في ظلام الليل، وتشنق بلابل الحزن والالم في محراب القصيدة.


الهوامش:
1- سوزان عليوان "مخبأ الملائكة"، الطبعة الاولى 1995، ص. 23.
2- سوزان عليوان "مخبأ الملائكة"، الطبعة الاولى 1995، ص. 32.
3- سوزان عليوان "مخبأ الملائكة"، الطبعة الاولى 1995، ص. 68.