|
قدامة - "المشاهد السياسي" 1997/3/30
|
|
هذه هي المجموعة الشعرية الثانية لسوزان عليوان (مواليد 1974) أصغر الشاعرات اللبنانيات وربما العربيات اللواتي نشرت كتباً شعرية، ويضم الكتاب أربعين قصيدة بعضها شديد القصر، والشاعرة ولدت في لبنان وعاشت في أسبانيا ودرست في الجامعة الأميركية في القاهرة. تكتب شعراً يخالف بموضوعاته واهتماماته الموضوعات والاهتمامات السائدة في النصوص الشعرية الطالعة، لما يتميز به من نزوع طفولي رومانطيقي يبلغ في بعض الحالات درجة من العذوبة تعد بصوت شعري متميز، وبتجربة خاصة في الكتابة. "حبيبي" في شعر سوزان عليوان هو "أيقونتي المكسورة" وهو الذي يمكن أن يقال له "لأجلك يداي كتاب لحكايات الأطفال"، و"وصوتي فانوس"، وهو الذي يمكن أن يقال له في دعة وتوتر معاً "نم عميقاً كأرقي"، ولأجله يمكن أن "أرى العالم حجرة زرقاء" لكن ما الذي يجعل شفافية كالتي ستأتي تفصح عن نفسها بالطريقة التالية: "لأنك وحيد / وروحك شاحبة / تلوّن وجوه أطفالك بالمساحيق / ثم تجلس قبالتهم / وتبكي". أي أسى هنا يتموج في النفس، وأي غموض يبعث على مثل هذا الطلب. أن روحاً طفلة عامرة بالمشاعر البريئة، الخاطفة، الحزينة هي ما تفصح عنه قصائد "لا أشبه احداً". فهي لكائن يشعر بغربته عن العالم، ويلتذ بهذه الغربة، فهو لا يشكو، كذلك هي سوزان، اذ تستشعر ذاتها في خضم عالم لا تقوى على مسايرته، ولا ترغب في ذلك. وفي قصيدتها "سقوط الملاك" حالة من حالات الإحساس بملائكية الذات، بنزاهتها، وترفّعها، لكن بمصيرها المؤلم أيضاً: "سقط الملاك سقطتُ من كوكبي الأخضر إلى صحرائهم". ولسوف تدفع الشاعرة برغبتها في الإعلان عن اختلافها، عن عدم تواؤمها مع عالم الآخرين وأشيائهم إلى درجة قصوى في قصيدتها "الفرح العابر"، بحيث يتجسد الطفولي في هذه القصيدة كما في أخواتها كرفات من جناح ندي، في تراكيب لغوية شديدة البساطة، لكنها أيضاً قادرة على منحنا إحساساً بالرهافة والفنية اللافتة، وعلى إيصال درجة عالية من صدق الشعور، وانسجام الذات مع حواسها التي تستشعر: "غريبة / مثل أيقونة ملونة / في كنيسة مظلمة / وحيدة / مثل ملاك صغير متدل / من شجرة ميلاد ميتة / أحبك / في الفرح العابر". هناك تفاوت في مستوى العلاقات بين الكلمات، ومن ثلم التراكيب التي تمنحها هذه العلاقات في شعر سوزان عليوان، وإذا كانت درجة البساطة في القول والبراءة في التعبير لافتة الحضور في هذه الكتابة الشعرية الطفلية النزوع، فإن ما برعت به الشاعرة من تراكيب لغوية، وما تمكنت من صياغته في صور، وإيقاعات محببة، لكونها صادقة، أو عميقة القطف، إنما يعد بالكثير مستقبلاً، فليس بسيطاً هذا "البسيط" من القول: "خرج من صورته النائمة" و"أخرجني من سريري وجسدي"، والذي يمنحه هذا التدبر الشعري في استخدام الكلمات يوحي بإدراك لحساسية هذه العلاقة التجاورية ولطاقة المفردة على نقل التصور، بعدما تأكدت الشاعرة من قدرتها على إيصال إحساسها في البسيط من التراكيب والخفيف مما يبدو مسعى طفولياً في تفسير العالم، وتفسير الشعور، وتفسير الأشياء. إنها أخيراً شاعرة لا تريد أن تشبه إلا نفسها. |