|
العزلة بوصفها أداة للتواصل ناظم السيّد -
جريدة
"القدس العربي" 27/8/2008 |
|
"كل الطرق تؤدي إلى صلاح سالم" هي المجموعة العاشرة للشاعرة اللبنانية سوزان عليوان. مجموعة كسابقاتها نشرتها في إصدار خاص من غير إسنادها إلى دار نشر تسوّقها في لبنان والدول العربية. غلاف المجموعة أيضاً من تصميم الشاعرة نفسها التي تزاول الرسم والتي سبق أن صممت معظم أغلفة مجموعاتها السابقة. تدبُّرُ الكتاب من الطباعة إلى تصميم الغلاف وتولي عملية التوزيع بات جزءاً من عمل سوزان عليوان. لكنَّ هذا التدبّر- على شكليته- قد يصلح مدخلاً لنص الشاعرة، نص العزلة الذي بدأته من "عصفور المقهى" عام 1994، مروراً بالمجموعات "مخبأ الملائكة"، "لا أشبه أحداً"، "شمس مؤقتة"، "ما من يد" إلى "كائن اسمه الحب"، "مصباح كفيف"، "لنتخيل المشهد" و"كراكيب الكلام". تبدو قصيدة سوزان عليوان تراكمية. إنها تراكم جملتها التي أطلت بها إلى النشر، لكنها جملة وإن كانت تتشابه في الحساسية وطريقة صدورها إلى الشعر، فإنها باتت مع الوقت أكثر حرفة من خلال عمليات تراوحت ما بين تثقيف المخيلة وتقنيات الحذف والتلميح. في "كل الطرق تؤدي إلى صلاح سالم" تتابع عليوان كتابة الذكرى. ثمة نص قائم على الماضي، على استدعاء أمكنة وأشخاص ومشاعر ومنحها حرارة الحاضر من خلال الفعل المضارع. المضارع هنا قناع لحياة حدثت من قبل. أداة من أدوات العناد التي تمنح الأشياء الميتة صفة الراهن: "لو أنَّ الأيام بيننا/ لاقتربنا وابتعدنا كأرجوحة/ لأعادتنا لعبة البكاء أطفالاً/ لصنعتُ للصغيرة رجل ثلج/ بلمسة من قسوتنا يذوب". تكتب سوزان عليوان عزلتها. تكتب استقالتها من العالم. في هذه المجموعة دائماً هناك طرفان متواجهان: الشاعرة والمعشوق، الشاعرة والأشياء، الشاعرة والطبيعة، الشاعرة وأحاسيسها: "ما من آخرين". هذه العزلة لا تقف حاجزاً بينها وبين ذلك الطرف الآخر. العزلة هنا وسيلة للعبور من الأنا إلى الخارج. أداة للتواصل. اسم موصول يجمع داخل الشاعرة بما يحيط بها. لهذا يبدو نص الشاعرة شديد الالتصاق بالمكان، هي التي اختبرت التنقل ما بين إسبانيا وباريس والقاهرة وبيروت. كل خارج يغدو فجأة مكاناً حميماً في عيني الشاعرة. الرصيف مكان، الشارع مكان، النافذة مكان، وهكذا الغيمة العابرة والشجرة المقيمة والمقهى المتغير بعابريه والظل المؤقت. حتى الفصول بوصفها زمناً تصبح أمكنة للإقامة في نص لفرط عزلته، يحوّل كل ما يحويه إلى أرض دائمة: "كمقعدين متعاكســـين في قطار/ ظهركَ المستقيم إلى قوس مقصّب بفقراتي/ عُملة لا يتواجه وجهاها/ لأنك الملك/ تمحوني الكتابة/ ميزان مائل تحت برج ظالم يجمعنا/ على أطلال يستطيل ظلٌّ/ شجرة مجروحة يحنيها الحنان/ أصابع الــقدمين المزرّقة/ الخدر الخافت والخوف/ كأنني كسلي/ خطوتي تفاحة استردتها الأرض". نص سوزان عليوان إذاً نص يتناول الخارج: الثلج والظلال والمطر والشوارع والأنهار والغيوم والسماء والشتاء والخريف والأرصفة والنوافذ. نص يحدث غالباً في الخارج. لكنَّ أنا الشاعرة حاضرة دائماً للتورط في هذا الخارج، للتقاطع معه. "أنا" تتمدد على كل ما تراه أو تلمسه أو تتحسسه: "من شواهدها الأساطير/ الأبطالُ الذين لا تشبهنا تماثيلهم/ حكاياتُ الأطفال لحينٍ/ أسماءُ الشوارع التي على اسفلتها يتسكع/ كسائحٍ بلا كاميرا/ ترابُ خطواتنا". تقوم قصيدة عليوان في "كل الطرق تؤدي إلى صلاح سالم" على الهمس والإيماء. صحيح أن ثمة ثقلاً تراجيدياً للنص يتبدى من خلال معجم للأسى، لكن هذا المعجم لم يمنع الشاعرة من بناء جملتها على التلميح والإشارة. ثمة قفزات وفراغات واستراحات يتنفس فيها هذا النص الطويل كدأب مجموعاتها الأخيرة التي اختبرت فيها الشاعرة النص الطويل ذا الوقفات والتتابع. لنأخذ هذه الأمثلة على تكنيك الحذف في جملة الشاعرة: "على جانبي الأيسر/ حافة السرير والعالم" أو "السهم في روحي/ لا أثر لملاك أو رماة" أو "ما يدفعـــــك نحو الألم/ برفق يدعوني إليه". عبارات لا تقوم على اكتمال المعنى وإنما على الاكتفاء برسم طريق غامضة إلى المعنى. "كل الطرق تؤدي إلى صلاح سالم" كتاب تنتقل فيه عليوان- وهو انتقال بدأ تدريجياً في المجموعات السابقة- من الطفولة إلى الكهولة. من نص بريء إلى نص أكثر تورطاً بالألم، لكنها براءة من ذلك النوع الذي نشهده لدى الأطفال المتوحدين. نص يقوم على شقاء أن لا تكون ناضجاً بما فيه الكفاية في هذا العالم. وهنا تكمن الشعرية: مقاومة مستميتة ضدَّ الواقع البالغ. |
|