|
"ملائكة سوزان عليوان: دموعهم "أمطار" وعناقهم "ضفيرة
هبة سعد -
جريدة "صوت العرب" التاريخ مفقود |
|
حينما تأتي أميرة الحواديت متأرجحة تبحث في حكيها فتتجاوز وتنتظر أطفالها فلا يأتون ولا شيء حولها سوى الرحيل. فتعيش يوميات "الذكرى" ويجذبها صمت العتمة نحو "ضوئه" فلا تبرحه وتخبره "حكياً" من نوعٍ جديد. فالرحيل والعتمة ودموع الأطفال التي ما هي إلا "أمطار" تلك مفاتيح حكي الأميرة وصوتها الباحث عن أسطورة الغياب. فقد بدلت الأشياء الأحزان لتضح شفيفة تبحث في أسرار الكون وملامحه فالأمطار ليست دموع إيزيس الباحثة عن العدل لكنها لأطفال "تماماً" الذين افتقدوا أمهاتهم وحجراتهم ودفاترهم لذلك فالموت الذي كان تبدل ليشعرنا بالألم. تلك هي سوزان عليوان في مجموعتها الشعرية الثالثة "لا أشبه احداً" التي تقدمها في غفوة في صوت الموت بحثاً عن "تابوت" يحمي زمن الطفولة. وتأتي رسائلها التي ما هي إلا حكاياها اليومية في رصدها لكل ما حولها ورؤيتها الصامتة التي يشوبها الأرق والسهر والقلق فتحاول أن تفسر الأرجوحة والضفائر المطر وقوس قزح كل حسب دوره في الحياة. وتصبح مشاعرها ليست مساحة للبوح المباشر ولكنك ستفهم وتشعر عبر تلك الصور التي تتتابع وكأنها كلمات صامتة تشهدك على الأحوال وتدعوك لترصد واقعك الذي لم يعد واقعها وحدها. فالحزن والصمت والموت كلها مشاهد تبحث عن مساحة "للنوم" الذي لا يأتي، فهي ترسل رسائلها المباغتة لعلك تضيق وتشعر فقد تتحرك! ولذلك فزادها نحو تلك المساحة ذلك الماضي الذي كان وملامحه الصغيرة وتفاصيله الدقيقة التي لم تتبدل في الذاكرة فتصبح ضوء العتمة الذي يأتي كل مساء فيشهد على سهرها. وتتجسد مشاعرها نحو ضفيرة الطفلة التي ما هي إلا "عناق" في القمة وكأنه لحظة اقتراب تتشبع بها لتصبح زاداً في ذلك التابوت الذي تجمع فيه حاجاتها ويقترب الموت أكثر وأكثر في كل تفاصيلها ولو غاب بكلمته لكنه يسيطر عبر مشاهده وألوانه الحادة التي تأتي بالراحة. لذلك نرى نضج سوزان في تجربتها يزداد وضوحاً عندما تحولت الكلمات المباشرة إلى صور تلاحقك في قوتها ورقتها وابتعادها عن ذهنك فتتعجب لكنها تنفذ إلى داخلك فتعيد على مشاعرك عرقاً يختلف والموت ليس التيمة التي تملكت سوزان فحسب لكن اليوميات هي الأخرى بتفاصيلها شكلت مساحة من الرصد ليتجاوز الصمت والموسيقى معاً فيسجلان لقاء في نوع جديد ولتتلاقى الأشياء الطفولية التي حفرت الذاكرة في مساحة تتدافع فيها علها تستطيع الوصول إلى حقيقة تلك الأشياء... والغربة التي تشعر بها في كل لحظة مع ذلك الحكي الذي لا تشعر أنه سينتهي فله صورة ستفاجئك بملامح إنسانية أخرى تتسلل إليك من جديد والغربة ليست مع المكان أو الزمان لكنها مع "الذات" فترى ملامح انسانية شكلتها أحداث الحرب في بلادها لبنان فلا تتجاوز ذلك الإدراك الناضج بالموت وتأتي الغربة مع الحياة لتتجه نحو الموت الذي يتسع لكل شيء فيها وحولها وتعود للقمة التي تعذبها أكثر من المصابيح المكسورة الباكية والنجمة الشاحبة ورغم الحب فالإختيار واضح ومحدد، لذلك لا مكان للأحلام سوى في صورة الذكريات والصور وبعض الأشياء الصغيرة لما يحدث ليس سوى صدى لكل تقلبات الأشياء والأحداث فتصبح في صورتها تفاعلاً مع صدى لا نراه. فأرجوحة النعاس على رغم بساطتها وبراءتها لا تتسع لاثنين والضفيرة هي عناق العتمة وهكذا تتنقل من عتمة لأخرى وكأنها نداهة تجذب أميرتنا لكنها تأتي إلينا بحكي في تلك العتمة يختلف فتجعله مضيئاً أمامنا... لا ندري هل نريدها أن تتجاوز عتمتها المضيئة أم لا؟! لكننا بشكلٍ او بآخر نرحب بحكاياها وتفاسيرها الطفولية البريئة التي تفسر لنا ما قد لا نراه في الضوء المبصر الذي قد يعزل أعيننا عن تلك الأشياء الجميلة التي غابت في بعض الأوقات. |