أنثى.. لها أخوة خلف المجرّات وعلى الأرض أصدقاء

ليندا عثمان - "السياسة" 1996/9/13

 

من الشاعرة الشابة سوزان عليوان مجموعتها الشعرية الأولى "لا أشبه احداً"، من الحجم الصغير في 134 صفحة مع رسومات بالقلم الرصاص وغلاف من الفنان مجدي نجيب.

تقول الشاعرة في مجموعتها معرفة عن حالها أنها:

"نجمة

نقشت أغنية

على فضة البدر

جلست

قبالة مرآتها

تحدق في ملامح الضوء الساكن

تتساءل:

لماذا نولد بوجوه؟"

قارئ سوزان عليوان يشعر فعلاً أنها كاتبة لا تشبه أحداً، فهي تتأرجح في الفضاءات الكونية كملاك، له خلف المجرات إخوة وعلى الأرض أصدقاء...

قلبها يتيم كنقطة عتمة في الضوء... والعالم تراه حجرة زرقاء... يبدأ هذا العالم من أهدابها وعند شاطئ الحبيب ينتهي... غريبة هذه الشاعرة في أرضها وفوق أديم وطنها وعلى زند الحبيب، حملت نعش طفولتها على كتفها ومشت في جنازة أحلامها عاشقة للمطر والريح والماء والنجوم والمرايا والذكريات.

المسافات شاسعة في حدقتها والكواكب عندها تكوكبت في سحب الفضاء باحثة عن وسادة للحلم تتكئ عليها من أنين الوجع... وكلما نزل ملاك إلى الأرض بكت في الأفق نجمة وانطفأت، تقول:

"لم أكن أبكي

لكنّ الأصحاب

كانوا يختفون

في عيني

كأضواء السيارات

تحت المطر"

بطاقتها، حب متعثر بالضوء

مصباحها متدل من دمعة...

وقصائدها أطفال ينامون على عشب المأساة، ذاكرتها نافذة مغلفة لا تطل على الأمل، وغربتها غيمة، غيمت، وغرقت فوق كف الحبيب.

هكذا تعترف هذه الشاعرة بوجدها... وفي هذا الاعتراف تسابيح عشق، وبراءة وتوحد وتدله، حروف وحرائق وجسور معتمة ورماد ودخان.

تراها طفلة تنام تحت المطر، تركض من ضفة الى ضفة، إلى شجرة إلى ذكريات، وعزلة لتدفن رأسها في ظلها، تقول: "المطر – على نوافذنا – دمع أطفال رحلوا، في السماء يفتقدون أمهاتهم، حجراتهم، دفاترهم، ويبكون".

إنها عاشقة للذاكرة متيمة ينبض البكاء في عينيها والطفولة، والضفائر والصور القديمة والأجنحة. وقارئ مجموعتها يلفه معطف من الأسئلة وتواشيح الريح، عندما يدلف إلى عالمها المليء بالصور والحكايا، أنثى حنطت "ذاكرتها- حاوطتها بالقصائد – والرسائل – بصور الأحبة – والأصدقاء – وأغلقت التابوت – عسى تصحو ذاكرتها من موتها ذات يوم". فهي لا تريد لهذه الذاكرة ان تكون وحيدة، تريدها ان تصحو في مملكتها لعلها تعثر على قمرها فتلامس غياب يد الحبيب.

سوزان في "لا أشبه احداً" شاعرة متفائلة متشائمة في آن، ليلها لا يتسع لأرقها والبكاء لا يتسع للدمع، والأصدقاء لا يتسعون لها، وحدة الموت يتسع".

فهي تحب الجميع لكن العتمة تغريها

وهي تناجي الرجل بقولها:

"سأفارق الذين أحبهم

إلى حجرة بعيدة

خاوية مني

تملؤها صورهم

وتذكاراتهم

حيث ينتظرني

موت أكيد"

"من الطابق الثالث

للعتمة

أطل على موتي"

قصائد تشبه صاحبتها من ناحية الوجع والوجد والتأمل في الحياة وما بعدها... إنسانة سبحت في محبرة من الدموع، وتنشقت بأريج الأسئلة الصعبة في الزمن الصعب، إنها من جيل الردة الذي ولد على بساط من الدماء وتعمد في خمر مبلول بالدموع.